صراع الزعامة


مشهد مسرحي: صراع الزعامة... بين الشيخ عبد العزيز الثعالبي و الزعيم الحبيب بورقيبة


الشخصيات:

  • الشيخ عبد العزيز الثعالبي: مؤسس الحركة الدستورية، رجل طاعن في السن، يملؤه الوقار والشعور الأبوي تجاه الحزب، يدافع عن وحدة الصف والزعامة التاريخية.

  • الزعيم الحبيب بورقيبة: القيادي الشاب المندفع، رئيس الديوان السياسي، يملؤه الطموح الجارف، والثقة المطلقة في جماهير الشباب وقوة التنظيم الحديث.

  • رفاق بورقيبة (شخصيات صامتة في الخلفية): (الطاهر صفر، البحري قيقة، صالح بن يوسف، سليمان بن سليمان، والصادق بوصفارة).

  • صوت راوٍ (أو معلق مسرحي): يضع المشاهد في السياق التاريخي للحدث.

(المشهد: صالون واسع وعتيق ببيت الزعيم عبد العزيز الثعالبي بتونس العاصمة، صيف سنة 1937. الإضاءة خافتة ودافئة، تنعكس على الكتب والأوراق المتناثرة. يدخل الحبيب بورقيبة ورفاقه بخطى واثقة وحاسمة، لتقع المواجهة الكبرى بين جيلين من السياسة التونسية).

صوت راوٍ (من خلف الكواليس):

حين التقى جيل القدماء المتمثل في شيخ الحركة الوطنية عبد العزيز الثعالبي، بـجيل المجددين بقيادة الحبيب بورقيبة، لم يكن الاجتماع مجرد محاولة لتقريب وجهات النظر بين اللجنة التنفيذية والديوان السياسي، بل كان مخاضاً عسيراً لصراع مرير على زعامة الوطن وحرارة الشارع.

(يقف الثعالبي مستقبلاً ضيوفه بملامح يغلبها العتب المكتوم، بينما يتقدم بورقيبة بخطوات ثابتة ونظرات ثاقبة).

الثعالبي (صوته عميق ويهتز بشجون التاريخ): أهلاً بكم يا بنيّ... لقد آلمني ما بلغني من إصرار الديوان السياسي على وأد مبادرة الوفاق. يا حبيب، لماذا تريدون هدم ما بنيتموه بأيديكم من قبل؟ أليس في اتحاد الكلمة قوة لهذا الوطن الجريح؟

الحبيب بورقيبة (مبتسماً بابتسامة واثقة، ويجلس بهدوء): يا شيخنا الجليل، إن السياسة لا تُدار بالعواطف ولا بالترقيع. لقد وافقتم في اللجنة التنفيذية على شروطكم، لكننا في الديوان السياسي نؤمن بأن الاتحاد المنشود ليس مجرد اجتماع أشخاص هيئتين في صعيد واحد، بل هو اتحاد العناصر والشعب الدستورية اتحاداً حقيقياً متيناً يعود إلى قواعده الشعبية. نحن لا نلعب على حبلين.

الثعالبي (يشتد صوته غضباً وحسرة): قواعدكم؟! وهل تنكرون وزن آلاف المنضوين تحت لوائنا؟ لقد اقترحنا لجنة عليا تضم ممثلين عن الطرفين دون إقصاء أحد، بل وتنازلنا كثيراً حفاظاً على وحدة الصف... لكنكم أبيتم إلا تحطيم مشروع الوفاق على صخرة المصالح الذاتية الضيقة، والتشبث بإقصاء رجال بذلوا أعمارهم في خدمة تونس!

الحبيب بورقيبة (مقاطعاً بصوته الجهوري المعبئ بالكاريزما والطاقة الجماهيرية): إقصاء؟ نحن لا نقصي أحداً لذاته يا شيخنا، ولكن موازين القوى تغيرت! كنّا بالأمس أقلية، والآن وقد تكاثرنا وبلغ الداخلون في حزبنا خمسين ألف نسمة في كل ربوع البلاد، أصبح يسعنا أن نستغني عنكم... بل وعن الكثيرين ممن تقاعسوا عن مواكبة نبض الشارع الحديث!

الثعالبي (مندهشاً، ويقترب منه بعينين متسعتين): تستغنون عنا؟! وكيف تستطيعون أن تستغنوا عن مائتي ألف نسمة يلتفون حول لواء اللجنة التنفيذية، وما أنتم إلا أقلية بجانب هذه الجحافل الغفيرة؟

الحبيب بورقيبة (يتحداه بنظرة حاسمة وهو يقف على أهبة الاستعداد للانصراف): هذا رقم غير صحيح يا شيخ، وليس لكم مائتي رجل في الميدان! ويمكنك أن تقف على ذلك بنفسك... اخرج لزيارة البلاد التونسية يوم الرابع من سبتمبر القادم، وسترى النَّاس جميعاً واقفين تحت ألويتنا وفي استقبالنا، وهناك سنعرف من هي الأقلية ومن هي الأغلبية!

الثعالبي (بحزم وثبات العجوز المتمرس): إذن فليكن... أودّ أن أرى ذلك بنفسي. لنرَ لمن تئول الكلمة حين تختبر الشارع.

(يستدير بورقيبة بخطوات سريعة وحاسمة، ويغادر القاعة برفقة رفاقه، بينما يبقى الثعالبي واقفاً يحدق في الفراغ، وقد تحول الخلاف السياسي الصامت إلى صراع محتدم على زعامة تونس).

(تسقط الستر تدريجياً، ويرتفع في الخلفية صدى هتافات متضاربة في الشارع التونسي، وأصوات حجارة وقرع طبول، إيذاناً بعاصفة الخريف السياسي سنة 1937).

أهم المصادر والمراجع التاريخية المعتمدة:

  1. الأطروحات الجامعية والدراسات الأكاديمية:

    • د. حسن النجار، المعارضة اليوسفية: صراع زعامات أم صراع خطط واستراتيجيات، أطروحة دكتوراه، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، 2020.

    • د. عميرة علية الصغير، اليوسفيون وتحرر المغرب العربي، دار محمد علي للنشر، تونس، 2004.

  2. الوثائق التاريخية والصحف الوطنية:

    • محاضر اجتماعات اللجنة التنفيذية والديوان السياسي للحزب الحر الدستوري والحزب الحر الدستوري الجديد (فترة أزمة 1937).

    • مقالات وبيانات الشيخ عبد العزيز الثعالبي حول محاولات الوفاق الفاشلة وحملاته الميدانية في سبتمبر 1937 (حمام سوسة، مساكن، سوسة، ماطر، طبربة...).

    • أرشيف الصحف التونسية والتقارير الاستعمارية الفرنسية حول حوادث الصدام بين أنصار الطرفين سنة 1937.

تنويه قانوني وفني:
هذا المقطع المسرحي مستوحى من وقائع وأحداث تاريخية حقيقية موثقة في الأدبيات التاريخية ووثائق الصراع بين الحزب الحر الدستوري والحزب الحر الدستوري الجديد سنة 1937، غير أن الحوارات والصياغة الدرامية والتشخيص النفسي للشخصيات الماثلة تظل عملاً أدبياً وإبداعياً من خيال الكاتب، ولا تُعدّ بأي حال من الأحوال اتهاماً قضائياً مباشراً لأشخاص بأعيانهم، بل هي قراءة فنية تتقاطع فيها وثائق التاريخ مع رهافة الخيال المسرحي.
 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر قراءة هذا الأسبوع