تنويه تاريخي وقانوني
تستند هذه اللوحة المسرحية إلى واقعة تاريخية حقيقية، هي اغتيال الزعيم الوطني التونسي صالح بن يوسف في مدينة فرانكفورت بألمانيا الغربية، يوم 12 أغسطس 1961، وما ارتبط بها من وقائع سياسية وشهادات ووثائق تاريخية.
أما الحوارات والمونولوجات والتفاصيل النفسية للشخصيات، فهي بناء أدبي متخيل، لا يُقصد به نقل أقوال حرفية عن أصحابها. وتظل المشاهد التي تتجاوز ما تثبته المصادر إعادة تشكيل درامية للأحداث، لا شهادة تاريخية مستقلة.
ولا تمثل الإشارات إلى المسؤولية السياسية أو الجنائية أحكامًا قضائية نهائية في حق أشخاص بأعيانهم، بل تندرج ضمن مساءلة تاريخية تستلهم الأسئلة التي أثارتها القضية، مع التمييز بين الوقائع المثبتة والاتهامات والروايات المتداولة.
الشخصيات
صالح بن يوسف: الزعيم الوطني التونسي المنفي، أحد أبرز وجوه الحركة الوطنية، يحمل في ذاكرته صراعًا سياسيًا لم ينتهِ، وفي نفسه جرحًا لم يندمل.
صوفية زهير: زوجته ورفيقة منفاه، امرأة تعيش بين الوفاء لزوجها والخوف عليه، وتجد نفسها في اللحظات الأخيرة شاهدة على مأساة تتجاوز حدود حياتها الشخصية.
موظف الاستقبال: موظف في فندق رويال بفرانكفورت، يؤدي دورًا ثانويًا في المشهد، ولا تُنسب إليه أقوال تاريخية حرفية.
الراوي: صوت يستحضر الوثائق وشهادات الذاكرة، ويفصل بين ما تثبته الوقائع وما تتركه الأسئلة مفتوحًا.
المشهد الأول: موعد مع الغياب
المكان: مقهى قريب من فندق رويال بمدينة فرانكفورت.
الزمان: السبت 12 أغسطس 1961.
(تُضاء الخشبة على مشهد هادئ. ضجيج بعيد لمحطة قطارات، وأصوات عابرة تأتي من الشارع. على طاولة صغيرة يجلس صالح بن يوسف قبالة زوجته صوفية. أمامهما فنجانان من القهوة. تبدو على صالح علامات التعب، فيما تتأمله زوجته بصمت طويل، كأنها تحاول أن تحفظ ملامحه في ذاكرتها.)
كل هذه السنوات من التنقل، ومن تبديل المدن والفنادق، ومن حمل الوطن في القلب كأنه حقيبة لا يجوز لك أن تضعها أرضًا ولو للحظة!
من القاهرة إلى هنا، ومن منفًى إلى منفًى... أما آن لك أن تستريح قليلًا؟
وكيف يستريح المرء حين يصبح وطنه بعيدًا عنه، ويظل حاضرًا في كل ما يراه ويسمعه؟
أحيانًا أشعر يا صوفية أن المنفى لا يبعد الإنسان عن بلاده فحسب، بل يضعه أمامها عاريًا من كل شيء؛ فلا يبقى له إلا ذاكرته، وما يؤمن به، وما يستطيع أن يفعله من أجل تلك الأرض التي لم تعد تحت قدميه.
لقد أخذت السياسة من عمرك ما يكفي، وأخذت الخصومة منك ما لا يُعوَّض.
(تصمت لحظة، ثم تنظر إليه مباشرة.)
ألا تفكر أحيانًا في أن تترك هذا كله؟ أن تعيش بعيدًا عن المعارك، وأن تمنح نفسك فرصة لحياة عادية؟
حين يتحول الخلاف السياسي إلى خصومة شخصية، يصبح المرء أسيرًا لاسمِه، ولماضيه، ولما يمثله في عيون الآخرين.
لم يعد الأمر خلافًا بين رجلين حول طريق الاستقلال وحده؛ لقد صار سؤالًا عن الدولة التي أردناها، وعن معنى السيادة، وعن الحدود التي يجوز للسياسة أن تبلغها قبل أن تفقد روحها.
تونس استقلت، والناس يريدون أن يفتحوا أبواب بيوتهم، وأن يزرعوا أرضهم، وأن يرسلوا أبناءهم إلى المدارس. أما أنت، فما زلت تحمل معارك الأمس كأنها لم تنتهِ.
الاستقلال مسؤولية أيضًا؛ مسؤولية أن نختلف من دون أن يتحول الاختلاف إلى إلغاء، وأن نبني دولة تتسع لأبنائها، لا دولة يضيق صدرها بكل من لا يردد كلام الحاكم.
ربما أخطأت، وربما أصبت. سيأتي من يقرأ تاريخنا ويحاكم مواقفنا، ولن يكون لأحد منا حق احتكار الحقيقة.
لكنني لا أستطيع أن أتصالح مع فكرة أن يصبح الوطن ملكًا لرجل، أو أن يُطلب من الإنسان أن يتخلى عن رأيه حتى يُسمح له بالعودة إلى بيته.
(تخفض عينيها، ثم ترفع رأسها.)
هناك شيء في هذه الاتصالات الأخيرة لا يطمئنني. هاتفوك، وألحوا عليك في اللقاء، وأنت تستعد للسفر. لماذا الآن؟ ولماذا في فرانكفورت؟
(تمسك بيده.)
لا أطلب منك أن تتخلى عن مبادئك، ولا أن تنسى وطنك. أطلب منك فقط أن تتذكر أنك لست وحدك في هذه الحياة، وأن وراء هذا الاسم الذي يتصارع عليه الناس إنسانًا أحبه، وامرأة تخاف أن تفقده.
وأعرف أيضًا أن السياسة، حين تبتلع الإنسان، لا تترك لأحبائه إلا انتظارًا طويلًا وأسئلة لا تجد جوابًا.
(ينهض ببطء، ويأخذ معطفه.)
سأذهب إلى الفندق. انتظريني هنا، ولن أطيل ما استطعت.
لكن لا تجعلني أنتظر أكثر مما ينبغي.
(يتجه صالح نحو المخرج. تتبعه بعينيها حتى يختفي. تبقى يدها ممدودة قليلًا فوق الطاولة، ثم تعود ببطء إلى حضنها. يخفت الضوء تدريجيًا.)
المشهد الثاني: الغرفة التي أغلقت بابها
المكان: فندق رويال، فرانكفورت.
الزمان: بعد ظهر 12 أغسطس 1961.
(تضاء الخشبة على ردهة فندق هادئة. مكتب استقبال، هاتف، وساعة حائط. يدخل صالح بن يوسف، ويلقي نظرة سريعة حوله. يتبادل كلمات مقتضبة مع موظف الاستقبال، ثم يتجه إلى الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي.)
(يختفي صالح في الممر. يتقدم الضوء ببطء نحو باب غرفة مغلق، فيما يُسمع صوت الساعة وهي تقطع الصمت.)
كان صالح بن يوسف يقيم في فيسبادن، وكان يستعد للسفر إلى كوناكري. غير أن اتصالًا هاتفيًا دفعه إلى تغيير مساره، والتوجه إلى فرانكفورت للقاء أشخاص قيل إن لديهم ما يستحق الاستماع إليه.
ترك زوجته في انتظار عودته، وصعد إلى غرفة في فندق رويال.
هناك، في مساحة ضيقة، بعيدًا عن المنابر والجموع والأعلام، انتهت حرية الحركة التي طالما تمسك بها.
(صمت. ثم يُسمع صوت مكتوم، لا يتضح مصدره. لا تظهر أي صورة مباشرة للعنف. يخفت الضوء عن باب الغرفة.)
لم تتوقف القطارات، ولم تُغلق الشوارع، ولم تعرف المدينة أن رجلًا من رجال الحركة الوطنية التونسية قد أُصيب إصابة قاتلة.
استمر كل شيء كما لو أن شيئًا لم يحدث.
وهكذا تبدأ بعض المآسي: لا بضجيج يوقظ العالم، بل بصمت لا يلتفت إليه أحد.
(تضاء مساحة صغيرة من الخشبة تمثل المقهى. صوفية تجلس أمام فنجانها. تنظر إلى الساعة، ثم إلى الباب. تحاول أن تقنع نفسها بأن التأخير عابر.)
(تنهض، ثم تعود إلى الجلوس.)
ربما طال الحديث. ربما أرادوا أن يناقشوا معه أمورًا كثيرة. ربما...
(تصمت. تنظر إلى الباب مرة أخرى.)
لكن لماذا أشعر بأن هذا الانتظار مختلف؟
(تنهض فجأة، تترك بعض النقود فوق الطاولة، وتتجه نحو الفندق بخطوات متسارعة.)
المشهد الثالث: صرخة في الممر
(تُضاء ردهة الفندق. موظف الاستقبال يقف خلف مكتبه. تدخل صوفية مسرعة، وعيناها تبحثان في المكان.)
(يتقدم نحو الدرج. تتبعه صوفية بخطوات متعثرة. يصلان إلى الممر العلوي. يتوقف الموظف أمام باب غرفة، ثم يدفعه بحذر.)
(تتجمد صوفية في مكانها.)
(تخطو خطوة إلى الداخل. ترى زوجها ملقى على الأريكة، غارقًا في الدماء، يتنفس بصعوبة بالغة.)
(تندفع نحوه، وتهوي إلى جانبه. تمد يديها نحوه، ثم تتراجع لحظة من هول ما ترى، قبل أن تعود وتمسك بيده.)
(تلتفت نحو الباب.)
أرجوكم! النجدة! اتصلوا بالإسعاف! إنه ما زال حيًا!
(يتحرك موظف الاستقبال مسرعًا لطلب المساعدة. تبقى صوفية إلى جانب زوجها، تتكلم إليه وكأن الكلمات تستطيع أن تعيده من حافة الغياب.)
لقد قلت لي إنك لن تطيل...
(تضع يدها على يده.)
أتسمعني؟ لا تتركني هنا وحدي. لا تجعل هذه الغرفة آخر ما يبقى لي منك.
(تعلو أصوات بعيدة، ثم صوت سيارة إسعاف. يتحرك المسعفون في ضوء متقطع، وينقلون صالح على نقالة. تحاول صوفية اللحاق بهم، ثم تتوقف لحظة لتستعيد توازنها، قبل أن تتبعهم.)
(تظلم الخشبة.)
لكن الإصابة كانت بالغة.
وفي مساء ذلك اليوم، 12 أغسطس 1961، أسلم الروح.
لم يكن قد مات في الغرفة وحدها؛ كان قد دخل معها إلى فصل جديد من تاريخ تونس، فصل ستظل أسئلته قائمة بعد أن يغيب الشهود وتتغير الأنظمة وتُطوى الملفات.
المشهد الرابع: من أمر؟ ومن نفذ؟
(تضاء الخشبة على كرسي فارغ، وإلى جانبه طاولة فوقها أوراق متناثرة. لا تظهر جثة، ولا تُسمع أصوات إطلاق نار. خلفية معتمة، وفي عمق المسرح ضوء ضيق يتسع ببطء.)
لكن موته لم يكن حادثًا عابرًا في حياة منفى طويل.
لقد كان اغتيالًا سياسيًا فتح بابًا على أسئلة المسؤولية والتخطيط والتنفيذ، وعلى حدود ما تستطيع الوثائق أن تكشفه، وما قد يظل عالقًا بين الشهادات المتعارضة والذاكرة والاتهام.
من استدرجه إلى الموعد؟
من أطلق النار؟
ومن هيأ الطريق للقتلة، إن كان ثمة من هيأه؟
وأين تبدأ مسؤولية المنفذ، وأين تنتهي مسؤولية من خطط أو سهّل أو تستر؟
(تتقدم صوفية إلى مقدمة الخشبة. تبدو مرهقة، لكنها لا تبكي. تنظر إلى الجمهور طويلًا.)
لم أكن أنتظر زعيمًا، ولا خصمًا سياسيًا، ولا اسمًا يتنازع الناس حوله.
كنت أنتظر زوجي.
(تصمت، ثم تتابع.)
لكنني عدت من ذلك اليوم وأنا أحمل سؤالًا أكبر من حزني:
كيف يمكن للخلاف بين أبناء الوطن أن يبلغ حدًا يصبح فيه الرصاص بديلًا عن الحوار؟
وكيف يمكن لبلاد خرجت من الاستعمار أن تخاف من أبنائها، أو يخاف أبناؤها بعضهم من بعض؟
لا أطلب من التاريخ أن يرحم أحدًا، ولا أن يدين أحدًا بلا دليل.
أطلب منه ألا يصمت.
ألا يجعل من النسيان عدالة، ولا من مرور الزمن براءة، ولا من قوة المنتصر حقيقة وحيدة.
وبقيت قضيته جزءًا من تاريخ تونس السياسي، بما تثيره من أسئلة عن الصراع على السلطة، وعن العنف السياسي، وعن واجب الدولة في كشف الحقيقة.
قد تختلف القراءات، وقد تتباين الشهادات، لكن التثبت من الوقائع يظل واجبًا، مثلما يظل إنصاف الضحايا واجبًا.
فالتاريخ ليس محكمة تصدر أحكامها من غير أدلة، وليس ذاكرة تنتقي ما يريحها وتدفن ما يؤلمها.
إنه بحث مستمر عن الحقيقة، حتى حين تكون الحقيقة صعبة، وحتى حين لا تمنحنا جميع الإجابات التي نريدها.
(تعود صوفية إلى الكرسي الفارغ، وتضع يدها على ظهره. ينسحب الضوء عنها تدريجيًا.)
أما الحقيقة، فسأتركها للتاريخ، بشرط ألا يتوقف أحد عن البحث عنها.
(تظلم الخشبة تمامًا.)
النهاية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق