عبث الذاكرة


ترميك العواصف الخفية وسط أمواج الماضي المتلاطمة، فتغرقك حيناً وتتركك معلقاً على حافة الاختناق حيناً آخر، دون أن تجهز عليك. تودّ لو أنها تلقي بك على شاطئ الأمان، حيث الهدوء يلملم شتات الروح والسكينة ترخي أهدابها، لكنها عواصف صماء، لا تستجيب لرجاء، ولا ترقّ لاستصراخ.

تأتي الذكريات مبعثرة ومشوشة، تزورك دون موعد، وتقتحم بيتك دون استئذان. تظن أنك صرّفت أمرها وعُدت إلى واقعك، فإذا بها تنبعث من خلف أستار المنام، تعبث بصور الأيام الفائتة وتشكّلها كما تشاء هي، لا كما تشتهي أنت.

وليس للإنسان على ذاكرته سلطان؛ فهي أشبه بذات مستقلة تسكن أعماقه، كجنيّ عنيد، أو كابوس مقيم، أو ناقوس خطر لا ينفك يدق. تثيرك أحياناً وتفتنك بسحرها القديم، لكنها غالباً ما تزعجك وتؤرق مضجعك. في المنام، تطلّ برأسها هيئة أحلام وكوابيس تضطرب لها النفس، وفي اليقظة، تبدو أمينة ولكنها تنتقي بمكر خفيّ ما تسترجعه من ملفات الزمان والمكان؛ تُستثار بكلمة عابرة، أو نغمة أغنية، أو ومضة حدث شبيه.

النسيان عدوها الأبدي، لكن كيف لنا أن نستدعي النسيان؟ يمني الإنسان نفسه بالعودة إلى لحظات الماضي الجميلة، فلا تسعفه الذاكرة إلا نادراً، أما الماضي الحزين والثقيل، فهي تختاره بسبق إصرار وتستحضره في غفلة منا، دون إرادة أو وعي.

فهل يملك الإنسان أن ينسى إذا أراد النسيان؟ أم إن النسيان داء لا يصيب إلا المرضى والشيوخ؟ كلا، النسيان ليس حلًا، وليس في طوقنا. علينا أن نواجه الذاكرة، وأن نكون أشداء أمام ماضٍ نظن ظناً خاطئاً أنه قد انقضى ولن يعود. والحقيقة المرة أن كل شيء مخزّن في زوايا العقل الوعرة؛ فالذاكرة سرّ عظيم، تملك القدرة على التمويه وتزييف الواقع إما بالتشويه أو بالتجميل. ولا يبرز هذا العبث إلا في المنام، حين يتوهم الإنسان أن الروح ترحل إلى عالم العجائب، بينما هي الذاكرة وحدها التي تلهو وتعبث، مستجيبة لرغباتنا الدفينة وحالاتنا النفسية المتقلبة.

ينصحك بعضهم بالنسيان كأنما هو دواء يقتنى، لقد أخطأوا! فالنسيان ليس بأيدينا. إننا مطالبون بمواجهة تلك الصور الذهنية التي ترفض الرحيل. لكن هل يملك المرء محو تلك اللوحات بلمسة زر، كما يمحو رسائله وصوره من أجهزته الصماء؟ أمر مستحيل، ولا أظن أن العلم سيبلغ يوماً مبلغاً يمكنه من محو هذه الصور العالقة في قاع الروح.

أتساءل أحياناً: هل كل صور الماضي مستقرة حقاً في خلايا ذاكرتنا؟ وهل لذاكرتنا طاقة استيعاب محددة كما هو الحال في الحاسوب؟ أم أن الذاكرة تنت انتقاءً وتختار أحداثاً معينة دون سواه لتخلدها؟ ما هي المعايير التي تحتكم إليها لتخزين ما تخزن وإهمال ما تهمل؟

ولو أن العلم استطاع يوماً أن يستخرج كل صور الذاكرة لينقلها الإنسان إلى جهاز آلي، لتكشفت الأسرار ولحلت الجرائم، ولأصبحت تكنولوجيا الذاكرة أداة طيعة بيد المحققين. لكن، ماذا لو استطاع الآخرون التسلل إلى صور ذاكرتك ونشرها على مرأى من العالم؟ وماذا لو تجرأ العلم يوماً على محو صور الذاكرة القديمة واستبدالها بصور شخص آخر؟ حينها، تتغير الهوية حتماً، وينشأ اضطراب مرير بين الواقع والصورة المخزنة في ثنايا العقل، حتى يشعر المرء أنه غريب عن ذاته، وربما قاده ذلك إلى جنون مطبق.

لا أعتقد أن العلم سيجرؤ يوماً على كشف أسرار الذاكرة وخباياها، فالإنسان بطبعه عدو الحقيقة، يفرّ منها ولا يرغب في ظهورها. نحن نعيش في عالم مزيف تحرسه الأقنعة؛ ولو تجرأ إنسان واحد على كشف ماضيه عارياً كما حدث، لاعتبره الناس مجنوناً.

د. حسن النجار



الأكثر قراءة هذا الأسبوع