سيرة حلم لا يشيخ

د. حسن النجار
د. حسن النجار مشرف مجلة سرديات

 أيها السائرون في دروب المعرفة، والباحثون عن الحقيقة بين طيات الزمان، هلموا نقص عليكم حكاية روح لم تعرف للظمأ ارتواءً، وحلم نبت في رحم الأيام ولم تذبل أوراقه.

كان ذلك في خريف العام 1994، وكنت حينها في ريعان العمر، فتى في الثالثة والعشرين، أحمل بين ضلوعي قلباً يخفق بالأمل، وبين أناملي طبشوراً أبيض، أقف به لأول مرة معلماً في مدرسة صغيرة وادعة تُدعى “تملال” بمدينة ميدون. هناك، أمام عيون الأطفال الصافية التي تتلألأ كنجوم الفجر، أدركت أن التعليم ليس مهنة عابرة، بل هو صلاة في محراب العقول. واليوم، وبعد أن طوت السنون صفحاتها، ما زلت ذلك المعلم الذي يقف أمام تلاميذه بشغف البدايات، غير أن الروح تهفو وتطمح، تشرئب بعنقها نحو آفاق أرحب، تنادي محراب التعليم العالي لتبذر فيه حصاد العمر وخلاصة التجربة.

كالزارع الذي يلقي بذاره في حقل الأيام وينتظر مواسم القطاف، لم تمنعني مشقة العمل اليومي بين جدران الفصول من مواصلة رحلتي العميقة؛ كنت أحمل الطبشور بيميني، والوثيقة التاريخية بيساري. لم أتوقف يوماً عن الكفاح العلمي، ولا عن استنطاق السؤال. وهكذا عدت إلى مدارج الجامعة، أقتفي أثر الحقيقة، حتى عانقت شهادة الأستاذية في العام 2010.

غير أن ظمأ الروح للمعرفة لا يرتوي بقطرة، فمضيت في دروب المنهج الصارم، أطرق أبواب **المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر**، الذي كنت من رواده العاكفين في محرابه منذ بدايات التشكل البحثي. وفي تلك الأروقة العريقة، كان لي مع الأستاذ الجليل **الهادي التيمومي** طاقات نور؛ فقد نهلت من ينبوع علمه في مدارج درس الماجستير، ولن أنسى إنصافه حين منحني أربعة عشر من عشرين في اختبار حول “الشريف حسين”، ليكون ذلك التقييم وقوداً لمسيرتي التي تُوجت بشهادة الماجستير في العام 2014، عبر بحث أصيل غاص في خفايا **“حركة الاتحاد والترقي”**، حيث أدركت لأول مرة كيف يتحول الخطاب السياسي إلى مفتاح فكري يفتح مغاليق الزمن.

لكن مسيرة الباحث، يا أحبتي، لا تخلو من أشواك الفقد وأحزان الروح. فبينما كنت أعكف على إعداد أطروحة الدكتوراه، أغوص في بحار الوثائق لأفكك طلاسم الصراع اليوسفي البورقيبي، هبت رياح الخريف في العام 2015 لتخطف روح والدي وتتركه وديعة طاهرة في التراب. أتذكر، وكأنها الأمس، دموع فرحه التي بللت صوته عبر الهاتف يوم بشرته بنيل الماجستير.. كم تمنيت، وكم بكت الروح حسرة، لو امتد به العمر ليقف شاهداً يوم مناقشة الدكتوراه في العام 2020، خاصة وأنه من طينة أولئك الرجال الذين اكتووا بنار الصراع اليوسفي البورقيبي، وعاشوا محنته القاسية في لحمهم ودمهم. كان سيرى كيف استحال ألم جيله إلى حبر ينشد الحقيقة، وكيف قرأتُ ذلك الصراع لا كخلاف شخصي عابر، بل كصراع مرير للخطط والاستراتيجيات، موظفاً المنهج الجدلي وأدوات العلوم السياسية. وفي هذه الرحلة المضنية، وفي حضن المعهد العالي ذاته، كانت جلساتي مع الأستاذ القامة **عميرة علية الصغير** ملاذي الآمن، فكانت توجيهاته السديدة ودعمه لي كنوزاً لا تقدر بثمن، أضاءت لي عتمات الأرشيف وقادت خطاي نحو بر الأمان العلمي.

وتتساءلون، وأنتم تقرأون نبض هذه السيرة: كيف لباحث أن يبني كل هذا الصرح وهو غارق في تفاصيل العمل اليومي؟ الحق أقول لكم، إن التاريخ ليس سردية باهتة من نسج الخيال، بل هو **“واقعية نقدية”** تبحث في الحدث وتعيد تأويله بموضوعية. هذا المنهج هو الذي قاد قلمي لنشر مقالات علمية محكمة، صالت وجالت في تفكيك الخطاب السياسي، وسبر أغوار التاريخ المحلي، وتحليل الممارسات المهنية والبيداغوجية، وصولاً إلى تلك المداخلة العلمية الرصينة في **القيروان**، المدينة التي تعبق بالتاريخ، حيث صدح صوتي باحثاً في تقاطعات الذاكرة والأرشيف، ومؤسساً لحوار علمي يربط الماضي بأسئلة الحاضر الملحة.

وما نفع المعرفة إن ظلت حبيسة الصدور، أو أسيرة رفوف المكتبات الباردة؟ إن التدريس الجامعي الذي أطمح إليه ليس وعاءً نملؤه بالمعلومات، بل هو نار نوقدها في عقول الطلبة. غايتي الكبرى هي بناء باحث متمرس، يمتلك آليات التفكير النقدي، ليتحول من مستهلك للمعرفة إلى منتج لها. ولأن المعرفة التاريخية هي خبز الأرواح، فقد انفتح مشروعي على النشر الرقمي ليعانق المجتمع الواسع. في هذا العصر، يتحتم على المؤرخ أن يكون **“مؤرخاً رقمياً”**، يطوع التقنية الحديثة لخدمة منهجه النقدي؛ فأستعين بالذكاء الاصطناعي وقواعد البيانات لتكون لي عيوناً جديدة تقرأ ما انطمس من الوثائق. ولأن المعرفة لا تنمو إلا بالعطاء، أسست مدونتي هذه، **“سرديات”**، لتكون جسراً تواصلياً يبسط التاريخ للعامة بلغة رصينة، مساهماً بفاعلية في صياغة الوعي المجتمعي المشترك.

وكل شتلة مباركة تحتاج إلى تربة خصبة لتنمو وتشتد، ولا أرى لمشروعي وحلمي حاضنة أبهى ولا أليق من **“معهد تاريخ تونس المعاصر”**. هذا المعهد ليس مجرد جدران صماء أو مؤسسة عابرة في حياتي، بل هو المحور الأساسي والنبض النابض في مساري الأكاديمي؛ هو البيت الذي عرفني طالباً باحثاً للحقيقة في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، والذي أطمح أن أحلّق في فضائه اليوم باحثاً وعاملاً، مشاركاً في فرق بحثية تتلاقى فيها الاختصاصات، لنوظف معاً الأدوات الرقمية في حفظ أرشيفنا، ولنعيد كتابة تاريخ تونس وبلاد المغرب في العصر الرقمي بصدق وصرامة علمية لا تلين.

يا أبناء الحياة، إن مشروعي ينطلق من إيمان راسخ بأن كتابة التاريخ نهر لا يتوقف عن الجريان. من “تملال” حيث كانت البداية الطاهرة، إلى محراب الجامعة ومعهد تاريخ تونس المعاصر حيث المنتهى المرتجى، أقدم لكم سيرة لا تطلب جاهاً ولا منصباً، بل تطلب مساحة خصبة تبذر فيها علمها، لتساهم في بناء ذاكرة حية، وتاريخ نقدي، ومستقبل أكثر وعياً وبصيرة. فالتاريخ لم يُخلق لنبكي على أطلاله، بل هو البوصلة التي نستهدي بها، ومن الوثيقة المنسية إلى المعرفة الحية، نمضي معاً نحو نور الحقيقة.

منشوراتنا