ما بين منبر الجامع وساحة المدينة

 

خاطرة  تاريخية مستوحاة من خطابي صالح بن يوسف و الحبيب بورقيبة بمدينة القيروان في أكتوبر 1955

لم تكن القيروان مجرد مدينة، بل كانت الفضاء الأقدس في الذاكرة التونسية؛ تحرسها هيبة الأسوار العتيقة، ويفيض من مآذنها طيف جامع عقبة بن نافع كأنه شاهد أزلي على صراع الروح والسياسة. وفي ذلك الخريف من عام 1955، كان التاريخ يكتب فصوله بمداد الصدمة والافتراق.

وقف الزعيم صالح بن يوسف على منبر الجامع الكبير يوم الجمعة الثامن والعشرين من أكتوبر، والغيوم المعتمة تلبد أفق الحركة الوطنية. كان الرجل قد خرج من معركة طاحنة مع الديوان السياسي بعد أن رُفِت من الحزب وجُرّد من الأمانة العامة. لم يكن صوته منحوتا من مفردات السياسة وحدها، بل كان مشحوناً برائحة العقيدة والرفض المطلق لاتفاقيات الاستقلال الداخلي التي رآها خطوة إلى الوراء ومقايضة على السيادة. استنفر الرموز، واستحضر روح الفاتحين، وراح يخاطب جموع القيروان بلسان المدافع عن حرمة الدين والوطن، محذراً من "الوحدة الفرنسية"، وشارحاً للناس بمرارة الثائر أن ما أُخذ بالتدرج الموهوم لن يعود إلا بالثبات.

لكن المدينة لم تكن تتسع لصوت واحد. فبعد يومين فقط، وفي الأحد الثلاثين من أكتوبر، هبط الحبيب بورقيبة على أرض القيروان في مشهد احتفالي مهيب، متألقاً بكاريزماه الطاغية التي تأسر الألباب وتستنطق الحشود. لم يصعد المنبر الديني، بل وقف في الساحة العامة قلباً للجمهور والشارع، ليرد على خصمه اللدود بحجة واضحة، ومنطق واقعي يزن الأمور بميزان الممكن والمتاح. كان بورقيبة يدرك أن معركة صفاقس القادمة في منتصف نوفمبر على أطراف المؤتمر الخامس للحزب تتطلب حسم المعركة الرمزية هنا في قلب القيروان. واجه تهم الخصوم بالواقعية والجرأة، محذراً من آفة "الديماغوجيا" والتطرف الذي يرمي البلاد في أتون المجهول والإحباط.
وفي كواليس هذا الصدام العظيم، تقاطعت خيوط التاريخ بين الزعيمين؛ أحدهما يلوح بسيف المبدأ الأبدي والرفض المطلق، والآخر يمسك بدفة السفينة ليعبر بها وثاق المرحلة نحو الاستقلال التام.

وما بين منبر الجامع وساحة المدينة، كانت القيروان تمتص صدى الخطابين، وكأن التاريخ كان يختبر طاقة تونس على احتمال اختلاف أبنائها قبل أن ينفجر ليل الدم والمنفى، وينتهي الصراع إلى تلك النهاية المأساوية الموجعة على عتبات فرانكفورت.

أبرز المصادر والمراجع التاريخية المعتمدة:


  1. الأطروحات الجامعية والدراسات الأكاديمية:

    • د. حسن النجار، المعارضة اليوسفية: صراع زعامات أم صراع خطط واستراتيجيات، أطروحة دكتوراه، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، 2020.

    • د. عميرة علية الصغير، اليوسفيون وتحرر المغرب العربي، دار محمد علي للنشر، تونس، 2004.

  2. الوثائق والأرشيف الصحفي:

    • خطب ومقالات الزعيمين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف (أكتوبر 1955، خطابات القيروان والزيتونة).

    • دراسات ومقالات في مناهج تحليل الخطاب السياسي وتوظيف الرموز الدينية والتاريخية في الصراع الزعامي التونسي غداة الاستقلال الداخلي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر قراءة هذا الأسبوع