صراع

أقصوصة تاريخية

كان خريف  1955 مشحوناً برائحة الخوف و الدم. لم يكد حبر اتفاقيات الاستقلال الداخلي يجف على أوراق المفاوضات مع فرنسا، حتى انشطر بيت الحركة الوطنية إلى نصفين لا يلتقيان؛ تيار يتزعمه الحبيب بورقيبة يروم التدرج والواقعية كطوق نجاة، وآخر يقوده صالح بن يوسف يرى في الصفقات التنازلية إجهاضاً للسيادة الكاملة وتفريطاً في دماء المقاومين.

لم يبتدئ انفجار الفتنة من منابر العاصمة، بل تجسدت بذورها في وقت أسبق، يوم التقى صالح بن يوسف بالبكباشي جمال عبد الناصر في القاهرة خريف 1954، ليحصل منه على تعهد صريح بأن "تلتزم مصر بمدّ يد المساعدة في كل آن". كان بن يوسف يدرك بحدسه الساسيّ أن الحلول السلمية قد تنهار في أي لحظة، متسلحاً بهذا الدعم الإقليمي حتى قبل عودته إلى أرض الوطن في 13 سبتمبر 1955.

وفي المقابل، كان بورقيبة يسبق الزمن ليحكم قبضته على قواعد الحزب. وفي خطوة استباقية لمعاقل اليوسفيين بالجنوب، وقف بورقيبة على منصة الخطابة في قفصة، يرشق الجماهير الحاشدة بكاريزماه وحذره الشديد، صائحاً بلهجة تحذيرية حاسمة: "يجب على هذه الأمّة أن تقدّر قيمة الحرب وأهوالها، وما فيها من زهق أرواح، ونهب أموال، وتخريب منازل…!"

في كواليس القاعة، كان القائد محمد بن النيفر المهذبي — أحد أبرز رجالات المقاومة — يطوي عدد جريدة «البلاغ الجديد» بيدين ترتجفان غضباً، وكلمات الزعيم تصدم وعيه كقرع الطبول المنذرة بالشر. تساءل النيفر بمرارة مكتمة: "أتسمع كيف يضرب على الوتر الحساس ويلعب بالألفاظ؟ إنّي لا أدري أهو جنون.. أم غدر.. أم خيانة؟! بالأمس، كنّا نحارب العدو المستعمر كتفاً كتف، وأمّا اليوم.. فقد أصبح زعماؤنا هم الذين يحاربوننا!" ثم يخط قلم النيفر لاحقاً حسرته على صفحات الجريدة: "لو تفطّن هذا الزعيم المتحيز ودرس بينه وبين نفسه أقواله... لعضّ على إصبع الندم حين يجد دماء الشهداء الأوفياء تذهب هدراً ضحية تعصّب يهدد الأمة بخطره!"

ومع هبوب كانون الثاني (جانفي) 1956، خنق بورقيبة كل أمل في الصراع السياسي النظيف؛ ففصل بن يوسف، وجرده من الأمانة العامة، وحاصر اجتماعاته الشعبية. وحين أُغلق باب الترخيص لمؤتمر بن يوسف المخطط له في 18 جانفي 1956، وقف الأمين العام المحاصر أمام مراسل الصحافة يسكب مرارة الاختناق: "لقد قيل لي إن التصريح بعقد المؤتمر غير ممكن حسب رأي وزير الداخلية! أمّا الأعذار فواهية؛ فهم يخافون على سيطرتهم المتهالكة أن تتبدد... خصوصاً بعد أن غمرت البلاد موجة من القلاقل والاضطرابات، وعمّ فيها الإرهاب والعنف والتقتيل وخنق الحريات ومضايقة الدستوريين على يد أتباع الديوان السياسي المنحل الذين يهدمون ويحرقون نوادي الشعب دون أن تحرك السلطة ساكناً!"

أطاح بن يوسف بكل قواعد اللعبة السياسيّة حين رمى حكومة الطاهر بن عمّار باتهام ثقيل ووصمها بـ «الإبادة». وأمام انسداد الأفق وانطلاق شرارة الملاحقات، خلع بن يوسف عباءة العمل العلني، ليغادر البلاد خلسة في أواخر جانفي 1956 متجهاً نحو ليبيا.

ومن هناك، ومن قلب المنفى والسرية، أطلق بن يوسف شرارة «جيش التحرير التونسي»، ليتوج الصراع بمراسلته التاريخية الموجهة بخط يده إلى القيادة بالداخل في 17 سبتمبر 1956، واضعاً البلاد أمام قدرها الدامي: "إن الثورة التي نقودها هي من أجل الاستقلال، وجلاء الجيوش الفرنسية، وفصل البلاد التونسية عن حضيرة فرنسا، وتحطيم النظام البورقيبي القائم؛ لأنه ثبت عداوته للدين والوطن والشعب!"

توقفت الدبلوماسية، وانطفأت أنوار المنابر السياسية، لتصطدم السواعد الوطنية بآلة الدولة الفتية ومؤسساتها الرسمية، تاركة للبارود والدم كلمة الفصل الأخيرة في تاريخ تونس الحديث.

المراجع التاريخية والمصادر المعتمدة:

  1. الأطروحات الجامعية:

  • د. حسن النجار، المعارضة اليوسفية: صراع زعامات أم صراع خطط واستراتيجيات، أطروحة دكتوراه، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، 2020.

  1. الدراسات التوثيقية:

  • د. عميرة علية الصغير، اليوسفيّون وتحرّر المغرب العربي، صص. 100-101.

  • د. عميرة علية الصغير، اليوسفيّون ومعارك الجنوب: مساهمة في دراسة الحركة اليوسفية بتونس (1955-1958)، تونس: دار محمد علي للنشر، 2004، ص. 97.

  1. الأرشيف الصحفي:

  • جريدة البلاغ الجديد: العدد 9 (13 جانفي 1956)، والعدد 19 (24 جانفي 1956 - مقال القائد محمد النيفر).

  • جريدة البلاغ: "مصر تلتزم لتونس بمد يد المساعدة في كل آن بذلك التزم البكباشي جمال عبد الناصر للزعيم التونسي الكبير صالح بن يوسف"، 8 سبتمبر 1954.

  1. الوثائق الرسمية:

  • كتابة الدولة للشؤون الخارجية، كتاب أبيض في الخلاف بين الجمهورية التونسية والجمهورية العربية المتحدة، ص. 69.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر قراءة هذا الأسبوع