يعيش التاريخ في زماننا الراهن أزمة وجود حقيقية؛ أزمة تحوله من مادة حية تشعل الشغف وتلهم العقول إلى جفاف أكاديمي منفر، يُقرأ تحت سياط الحاجة لا برغبة الأكتشاف. وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة وهيمنة الذكاء الاصطناعي على جمع البيانات وتفكيك الوثائق، أصل إلى يقين جازم بأن الكتابة التاريخية لم تعد قادرة على الاستمرار بأدواتها التقليدية المتهالكة، وأن الوقوف عند أعتاب التوثيق الصارم دون روح هو محكوم بالنسيان. من هنا، تنبثق هذه الرؤية لنقل التاريخ من جفاف التقارير إلى رحابة الفن، ومن أسوار المنهجية الجافة إلى أحضان الأدب، لإعادة بعث الروح في المضمون التاريخي وجعله تجربة إنسانية تشع بالحياة.
1. موت "السرد المعتاد": لماذا مللنا التاريخ الجاف؟
الحقيقة التي لا غبار عليها، والتي باتت تلح عليّ كلما لامس قلمي الورق أو انفتحت أمامي شاشة الحاسوب، هي أنني لم أعد أرى أي جدوى من كتابة التاريخ بـ "السرد المعتاد" والأسلوب الأكاديمي النمطي. لقد تحول التاريخ في الدراسات التقليدية إلى هيكل عظمي جاف، ومادة باهتة تثير التثاؤب لدى القارئ والكاتب على حد سواء؛ جراء الإغراق في التوثيق الشكلي، وسرد الوقائع كأنها تقارير إدارية باردة تتجاهل نبض الحياة ونوازع النفس الإنسانية.
لا يمكننا الاستمرار بهذه الطريقة العقيمة، سيما وأنني حر في مدونتي، أكتب بالأسلوب الذي يرضي شغفي ويخاطب وجداني. الكتابة الأدبية تستهويني حقاً؛ ففيها نبض الحياة، وحرارة الروح، ورعشة الاكتشاف. أما الكتابة التاريخية التقليدية فتأسرها قسوة الجداول وصرامة الهوامش، مما يشعر القارئ بأن التاريخ مجرد ماضٍ ميت لا معنى له ولا جدوى من استحضاره.
فمن يقرأ للمؤرخين اليوم سوى المختصين، أو أولئك المساكين الذين أجبرتهم مقصلة الامتحانات وإعداد البحوث على اجترار النصوص؟ من ذا الذي يقف متفاعلاً، بشغف ولهفة، مع المقالات الأكاديمية الصارمة؟
2. طه حسين وكمال جعيط: معركة الحرف بين الحياة والجمود
لماذا لا نجعل التاريخ فناً من الفنون، وتفرعاً ساحراً من فروع الكتابة الأدبية؟ ألم يكتب عميد الأدب العربي طه حسين التاريخ بأسلوب أدبي ساحر ومشوق؟
اقرأ كتاب «الفتنة الكبرى» وسترى بنفسك كيف تتحول وقائع الصراع السياسي إلى دراما إنسانية عميقة تلامس شغاف القلب وتفكك الدوافع النفسية والاجتماعية للفاعلين في التاريخ. لقد استطعت إكمال كتاب طه حسين بسلاسة مذهلة، بل وراودتني رغبة ملحة في إعادته، في حين عجزت تماماً عن قراءة ثلث كتاب آخر يحمل نفس العنوان للمؤرخ التونسي الكبير كمال جعيط!
لماذا هذا الفرق الشاسع؟ لأن التاريخ، متى ما امتزج بالأدب وسقي بماء البيان، تنبعث فيه الحياة وتدب في مفاصله الحركة، فيسحر الوجدان قبل أن يقنع العقول.
3. شبح الذكاء الاصطناعي: هل انتهى عصر المؤرخ التقليدي؟
ولست هنا بصدد فرض رؤية أحادية على كتابة التاريخ، أو التقليل من شأن علم التاريخ وقواعده الصارمة، ولكنني مللت الكتابة التاريخية المعتادة، تماماً كما يمل القارئ العادي حين يطالع دراسة أكاديمية مطولة حول شخصية بحجم "محمد علي الحامي". لكنه، بالمقابل، لا يمل أبداً حين يقرأ سيرة هذا الزعيم في قالب قصة تاريخية قصيرة، أو رواية نابضة، أو مسرحية درامية مثيرة.
وهنا يطرح السؤال الأهم نفسه بحدة: ما جدوى كتابة مقالات تاريخية تقليدية في عصر الذكاء الاصطناعي؟
إن الأنظمة الذكية قادرة اليوم على صياغة مقال تاريخي في غاية الإتقان والدقة، وتجميع المعطيات وتلخيص الأرشيف في ثوانٍ معدودات، بشرط أن تكون الوثائق متوفرة ومرقمنة. إذن، هل أصبحت مهنة المؤرخ مهددة بالانقراض؟ أم أن علينا تغيير أسلوب الكتابة برمته وابتكار صيغ تعجز الذكاء الاصطناعي عن تقليدها، وذلك للحفاظ على هيبة الاختصاص وكرامة المهنة؟
حتى الأسئلة الفلسفية والعميقة التي يمكن أن يطرحها المؤرخ، بات الذكاء الاصطناعي قادراً على طرحها بأكثر من زاويّة وبدقة مذهلة. وكذلك الشأن في تحليل الوثائق؛ جرب أن ترسل وثيقة تاريخية معقدة لـ "ChatGPT" أو "Gemini"، وسترى كيف يفك ألغازها ويحللها تحليلاً مدهشاً، بل سيأتيك بأفكار مبتكرة لم تكن تخطر على بالك قط! وما على المؤرخ الحقيقي سوى إعادة صياغتها وتطويعها لتصبح ملكاً لروحه وقلمه.
4. سؤال المستقبل: هل يصبح التاريخ فرعاً من فروع الأدب؟
يقودنا هذا التحدي التكنولوجي والفكري إلى سؤال حاسم: هل يتحول التاريخ في المستقبل ليصبح رسمياً صنفاً من صنوف الأدب؟
الجواب الذي يلزمني أنا فقط هو: نعم، وبكل قوة.
إن التاريخ في أصله الإغريقي القديم (مع هيرودوت وتوكيديدس) لم يولد في مختبرات المعامل ولا في صرامة الأكاديميات، بل ولد كـ "سرد قصصي" ودراما إنسانية تروى حول شعلة النار. ومع التطور التقني الخارق للذكاء الاصطناعي، الذي احتكر أسرار التجميع والتحليل والتصنيف الأرشيفي، سيفقد "المؤرخ التجميعي" وظيفته التقليدية تماماً.
لن يتبقى للمؤرخ البشري في المستقبل سوى المساحة التي يعجز الذكاء الاصطناعي عن امتلاكها: الحدس الإنساني، الخيال الأدبي، الشغف البلاغي، والقدرة على إعادة بناء الروح النفسية للأحداث.
سيتحول التاريخ تدريجياً من "علم إنساني ذي طابع تقريري" إلى "فن الممكن التاريخي"؛ أي جنس أدبي قائم بذاته يجمع بين الأمانة للواقعة التاريخية وحرية التخييل الأدبي في ملء الفراغات والمسكوت عنه في الوثائق. المستقبل سيعيد التاريخ إلى أحضان أمه الأولى: الأدب.
5. خيار شخصي: عندما يتحرر الدكتور في التاريخ من قفص التدريس
لقد فكرت طويلاً في هذه المعضلة، وربما توفقت إلى الحل. صحيح أنني متحصل على الدكتوراه في التاريخ، لكني لست مرتبطاً بالتدريس التقليدي ولا بمعاييره الأكاديمية المجحفة. لم تعد لدي أي رغبة أو حاجة في كتابة المقالات التاريخية والكتب الجافة بالأسلوب المدرسي المعتاد. و لا أنكر بأن لجنة الإنتداب و مقاييسها المجحفة كانت بمثابة القطرة التي أ5اضت الكأس و من الأسباب التي جعلتني أسارع في اتخاذ هذا القرار الذي كان يجول في خاطري منذ مدة طويلة.
ولأن لدي تجربة مسبقة في الكتابة الأدبية، فلماذا لا أكرس جهدي وفكري لإحياء "الأدب التاريخي التونسي"؟ إنها مسألة خيار شخصي بامتياز، ولا أفرضها على أحد، لكني وجدت فيها ضالتي وملاذي.
6. ثورة "سرديات": هكذا سنبعث الحياة في المدونة
من هنا، قررت إجراء تغيير جذري في أقسام مدونتي "سرديات". ستظل سرديات.. وستبقى تاريخية الجوهر، لكنها سترتدي حلة جديدة تماماً:
- عوضاً عن المقالات الجافة، سنقدم قصصاً تاريخية قصيرة تقطر إنسانية ودراما.
- وعوضاً عن الكتب والدراسات الطويلة المملة، سنكتب مسرحيات وروايات تاريخية تنبض بالحياة.
- بل ويمكننا الذهاب أبعد من ذلك، عبر إنتاج قصص وروايات ومسرحيات تاريخية رمزية، نترك للأدباء والمؤرخين متعة تفكيكها وتحليل دلالاتها.
بهذا، ستنبعث الحياة من جديد في التاريخ التونسي وفي مدونتي الرقمية الجافة، وبذلك سنكسب قطاعاً أوسع من القراء الشغوفين.
إن الاكتفاء بالإشارة إلى المراجع والمصادر التاريخية وكتابة قصص مشوقة لا يعني أبداً التخلي عن الالتزام بالحقيقة التاريخية الجوهرية، كما نلمس ذلك بوضوح في الأعمال الخالدة التي تزعم أنها تاريخية. وعلينا، بكل شجاعة، أن نفسح المجال للخيال الإنساني لملء الفراغات حين تغيب المعلومة الأرشيفية وتصمت الوثيقة.
إنه مشروع جديد، أراه ممتعاً للغاية، وقابلاً للتطبيق، وفيه طوق النجاة للتاريخ حتى لا يتحول إلى رماد في مهب الريح الرقمية.
د. حسن النجار


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق