هل كان أحمد التليلي هو المسيّر الحقيقي للمقاومة و الحامل للوائها بعد اغتيال فرحات حشّاد؟!


شهدت الحركة الوطنية التونسية في الفترة الممتدة بين عامي 1952 و1954 مرحلة حاسمة من تاريخها المعاصر؛ إذ اقترن تصاعد العمل المسلح بظهور أزمة حادة داخل أعلى هرم القيادة السياسية للحزب الحر الدستوري الجديد. ولم تكن هذه الأزمة مجرد تباين عادي في وجهات النظر، بل تجسدت في تشتت القيادات وتضارب الرؤى التكتيكية والاستراتيجية، مما ألقى بظلاله على إدارة النضال السياسي في المحافل الدولية من جهة، وعلى علاقة الحزب بالمقاومة المسلحة الميدانية من جهة أخرى. يحاول هذا المقال تسليط الضوء على مظاهر هذا التشرذم القيادي، وتداعياته على مسار القضية التونسية، وموقعه من نشاط "الفلاقة" والمقاومة المسلحة.



أولاً: الشقاق القيادي وتضارب المبادرات السياسية

فَسَح حالة التشتت القيادي التي عاشها الحزب الحر الدستوري الجديد في الفترة (1952-1954) المجال للهادي نويرة ليتصدر المشهد كمتحدث باسم الحزب، خاصة بعد مجيء "فوازار" (Voizard)، مما جعل منه المحاور الجدير والمحتمل لدى فرنسا ولو لفترة قصيرة.

ومن جهة أخرى، برّر الباهي الأدغم قيام الهادي نويرة بإصدار تصريحه الداعي لالتزام الهدوء، بحكم أن حياته أضحت في خطر محقق جراء تهديدات عصابة "اليد الحمراء". كما أكّد الأدغم أنه لم يدعُ إلى إقالة الهادي نويرة، بل دعا رفقاءه من المناضلين إلى توفير الحماية اللازمة له.

لقد تواصل هذا الشقاق الخفي بين رموز الحزب الحر الدستوري التونسي حتى في أوقات المحنة والأزمات الوطنية الكبرى، وتعد رسالة حافظ إبراهيم خير دليل على ذلك إذ يقول:

"ولقد ذهبت إلى الشرق في الحقيقة لا للتجارة والإطلاع، ولكن قبل كل شيء لمدّ يد المساعدة لإخواني ناسياً كل الماضي بما فيه من ضغن وإحَن، إذ كنت أظن أن الدماء التي قدمها الشعب بدون تردد ومساومة كانت ختماً مقدساً للوحدة والتضامن لكل التونسيين الذين ساعدتهم الظروف بأن يكونوا أيداً وصوتاً لبلدهم في أرض الله الواسعة، ولكن للأسف إذ وجدت غير ذلك ورجعت بحزن يعقوب على يوسف يوم كاد أن يقتله إخوته..."

يدل هذا المقطع المعبّر من رسالة حافظ إبراهيم على الوضع المأساوي الذي آلت إليه قيادة الحزب الحر الدستوري الجديد خلال فترة المحنة، والتي كانت تتطلب بامتياز رصّ الصفوف ونبذ الخلافات. وبناءً على ذلك، لا يمكن الاستغراب من حالة التفكك والانقسام التي تفاقمت لاحقاً بعد توقيع اتفاقيات الإدارة الذاتية في 3 جوان 1955.

ثانياً: انقسام الرؤى وأثره على النشاط الدبلوماسي

أدّت هذه الخلافات إلى تصدّع الجبهة السياسية الوطنية في مرحلة تاريخية كانت البلاد فيها بأشد الحاجة إلى تكاتف جميع القوى الوطنية. وقد كشف الباهي الأدغم في مذكّرته المؤرخة في فيفري 1954 عن حالة الإنقسام والتشرذم داخل الحزب قائلاً:

"... ظهرت خلافات خطيرة ليس فقط حول التكتيكات، ولكن أيضا حول الأهداف التي يجب تحقيقها. من الواضح أن استمرار مثل هذا الالتباس لا يتماشى مع المفهوم السليم للعمل السياسي المنظم. لذلك فمن واجبنا الحتمي، إخضاع حزبنا لامتحان الضّمير، وربما إعادة النظر في أساليب عمله".

ومن الواضح هنا أن الخلافات لم تكن مجرد نزاعات شخصية ضيقة، بل كانت تباعداً عميقاً حول التكتيكات المعتمدة والأهداف الاستراتيجية المرسومة. وقد أدى هذا الغموض والالتباس إلى غياب التنسيق بين مختلف مكاتب الحزب الحر الدستوري التونسي في الداخل والخارج.

ووصل الأمر إلى حدّ عرقلة جهود التعريف بالقضية التونسية في الأمم المتحدة، وذلك بسبب التصريحات أحادية الجانب التي أدلى بها الهادي نويرة، مما أدى إلى تعميق الخلاف بينه وبين صالح بن يوسف وإصرار هذا الأخير على إزاحته من الديوان السياسي. وهو ما جعل أحمد بن صالح يستنتج يأسًا ويصرح في رسالته للمحامي الباهي الأدغم: "الانطباع السائد هو أن الوحدة ممزقة وأن الفوضى هي المسيطرة".

ثالثاً: المقاومة المسلحة ("الفلاقة") واستقلالية القرار الميداني

أمام هذا المشهد السياسي المتأزم، يفرض السؤال التالي نفسه: كيف كانت تعمل المقاومة المسلحة في ظل هذا التشرذم الذي أصاب قيادات الحزب الحر الدستوري التونسي؟ ومن كان يحرّكها ويوجّهها ميدانياً؟

الواقع الشاخص يشير إلى أن مقاومي الجبال أو "الفلاّقة" كانوا يخوضون أعمالهم النضالية بمعزل عن رجوعهم المباشر إلى قيادات الحزب التي كانت غارقة في صراعاتها السياسية. فقد تشكّلت قيادة ذاتية للمقاومة المسلحة وتنسيق ميداني داخلي بين قادة "الفلاقة"، وهو العامل الحاسم الذي أجبر فرنسا في نهاية المطاف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

إن زيارة رئيس الحكومة الفرنسي "بيير منداس فرانس" إلى تونس في أواخر شهر جويلية 1954 لم تكن وليدة الضغوط السياسية للحزب الحر الدستوري الجديد —الذي كان يعيش حالة مريبة من الانقسام بين قياداته— بل كانت بالأساس نتاج استماتة المقاومة المسلحة التونسية ونشاطها المكثف.

وقد كانت مسألة "الفلاقة" تؤرق السلطات الفرنسية بشكل بالغ، حيث عبّر "منداس فرانس" عن ذلك بصراحة قائلاً:

"يجب أن نستغل الموقف الناشئ عن شغب الفلاّقة للضغط على المفاوضين التونسيين. ولكن علينا أن لا نكون واهمين فليس لديهم أي وسيلة لإنهاء هذا الاضطراب. من الواضح أن جزءًا كبيرًا من الفلاّقة ليسوا تحت سيطرتهم."

وفي الحقيقة، كان "الفلاقة" خارج نطاق سيطرة القيادة السياسية حتى قبل انطلاق المفاوضات الرسمية. كما أن هذا الانحلال والانقسام الذي أصاب القيادات الدستورية في الداخل والمكاتب الخارجية انعكس سلباً على السير الطبيعي لمفاوضات القضية التونسية في الأمم المتحدة، وهو ما عبّر عنه الباهي الأدغم بوضوح حين قال:

"... من المفيد أن نضيف أن الحالة الذهنية لرفقائنا، قد أثّرت على حماسهم من أجل تزويدنا بالوثائق اللّازمة التي تهمّ الرأي العام العالمي. فمن الأساسي أن يتم جمع قوائم الضحايا، تجميع الحقائق و جمع الشهادات، وقد مرت سنتان بدون إنجاز أي عمل جاد في العموم".

وقد أكّد الباهي الأدغم في تقريره المرسل إلى مدير الحزب المنجي سليم في أواخر فيفري 1954، حالة الشك والانحلال التي تسربت إلى قواعد الحزب وإداراته، مشتكياً من قلة التقارير الواردة إليه لدعم ملف الشكوى التونسية أمام مجلس الأمن.

رابعاً: دور أحمد التليلي والقيادة العملية للمقاومة

وفي شهادة تاريخية هامة أدلى بها الباهي الأدغم حول المناضل أحمد التليلي، يذكر الأدغم:

"ولمّا ألقي عليه القبض تحرّجنا أكثر لأننا اعتبرنا أن ذلك من قبيل قطع رأس المقاومة. فساسي الأسود والأزهر الشرايطي وإبراهيم بن النيفر وغيرهم لازموا الجبال بعيداً عن المدن، ولئن قاموا بدور كبير فقد كانوا مشتتين وكل واحد منهم كان يعتبر أن بيده الحلّ والربط، لكن الشخص الذي كان ماسكاً بالقيادة العملية هو أحمد التليلي."

ثم يضيف الأدغم موضحاً توزيع الأدوار ميدانياً:

"ففي الوقت الذي لم يكن فيه المنجي سليم قادراً على القيام بدور مباشر في المقاومة المسلّحة —ولم أقل إنه لم يشجّعها، بل كان مع الطيّب المهيري يعمل على جلب الأموال والسّلاح وإمداد المقاومين— كان أحمد التليلي هو الرّجل المباشر للمقاومة ورأسها المدبّر، لا يعرف معنى للخوف وله شجاعة خارقة للعادة وصمود مثالي."

تطرح هذه الشهادات التوثيقية تساؤلاً جوهرياً: هل كان أحمد التليلي هو المسيّر الحقيقي للمقاومة والحامل للوائها الميداني بعد اغتيال الزعيم فرحات حشاد، وذلك في ظل تلك الخلافات الحادة التي شلت القيادات الدستورية التقليدية؟


أبرز المراجع

  • الشايبي (محمد لطفي)، الحركة الوطنية التونسية والمسألة العمالية النقابية: معاً لافتكاك الاستقلال (1944-1956).

  • الاتحاد العام التونسي للشغل، أحمد التليلي في سبيل الديمقراطية، ندوة نظمها الاتحاد العام التونسي للشغل في الذكرى 23 لوفاة أحمد التليلي، مطبعة تونس قرطاج، سبتمبر 1991.


  • Ladgham (Bahi), Correspondances. Les années décisives: 1952-1955, Tunis, Cérès Productions, 1990.

  • Mendès France (Pierre), Œuvres complètes, III: Gouverner, c’est choisir, Paris, Gallimard, pp. 482-484.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر قراءة هذا الأسبوع