في لحظة تاريخية دقيقة تعيشها تونس، وتتسم بأزمة بنيوية عميقة تضرب أطنابها في المنوال التنموي والخيارات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، التأمت أشغال الدورة الثالثة والثلاثين للجامعة الصيفية لجمعية محمد علي الحامي، التي انتظمت أيام 11 و12 و13 سبتمبر 2026 بفندق مارينا بياسمين الحمامات تحت عنوان: «الحركة النقابية التونسية من التاريخ المجيد إلى الأزمة البنيوية: ما العمل لإعادة بنائها في القرن الحادي والعشرين؟ من النقابية الوطنية إلى نقابة المواطنة».
لقد تشرفت بالمشاركة الفاعلة في هذه الدورة المتميزة، والتي شكلت فضاءً حراً ونادراً للتفكير النقدي والعميق. وقد مكنتنا هذه المحطة من اكتشاف وجوه نقابية عريقة ومناضلين استثنائيين واصلوا حمل شعلة الفكر النقابي الحر. ولعل أهم ما أكدت عليه نقاشات الجامعة، هو أن الحاضر النقابي لا ينفصل بحال من الأحوال عن جذوره التاريخية؛ ففهم الأزمة الراهنة يقتضي لزاماً العودة إلى الأصل في العمل النقابي وإلى مؤسسه الأول محمد علي الحامي الذي شكلت تجربته البذرة الأولى والملهمة لربط النضال الاجتماعي بالتحرر الوطني والعدالة.
وفي ذات السياق، أثبتت أشغال الدورة أهمية تعدد الرؤى ووجهات النظر التاريخية، حتى فيما يهم مسار العمل النقابي ورموزه. فقد خلصت النقاشات إلى قناعة راسخة مفادها أن تقديس أي حركة نقابية أو أي محطة تاريخية يضر بالعمل النقابي ذاته ويعطل ملكة النقد والتطوير. فكل عمل وكل جهد بشري لا بد أن ترافقه أخطاء، وفي بعض الحالات أخطاء فادحة؛ وهو للأسف ما حصل لاتحاد حشاد، خاصة في محطات ما بعد الثورة وفي فترات سابقة بعد الاستقلال، حيث انخرط في تجاذبات سياسوية أبعدته عن دوره التاريخي الأصيل. وإذا كان إجلالنا لاتحاد حشاد ومسيرته النضالية أمراً لا غبار عليه، فإن هذا الإجلال التاريخي لا يجب أن يعمي أبصارنا وبصيرتنا عن ضرورة تجديد الرؤى والطرق، وتجاوز العاهات التنظيمية والخيارات الظرفية.
لقد تجاوزت هذه الدورة حدود التشخيص التقليدي لأزمات الاتحاد لترسم ملامح بديل استراتيجي متكامل، معتبرة أن إنقاذ العمل النقابي وتأسيس "نقابة المواطنة" هو المدخل الأساسي للمساهمة في تفكيك منظومة "الرأسمالية النيومخزنية" وبناء منوال تنموي تشاركي وعادل في القرن الحادي والعشرين. و إليكم تقرير الدورة الثالثة و الثلاثين الذي تفضل السيد الحبيب قيزة رئيس جمعية محمد علي الحامي بإرساله لنشره كما هو في موقع سرديات:
التقرير التأليفي
الحركة النقابية التونسية من التاريخ المجيد إلى الأزمة البنيوية:
ما العمل لإعادة بنائها في القرن الحادي والعشرين؟
من النقابية الوطنية إلى نقابة المواطنة
أولًا: مقدمة
تتويجًا لثلث قرن من العمل الفكري والنقابي، نظمت جمعية محمد علي الحامي الدورة الثالثة والثلاثين لجامعتها الصيفية أيام 11 و12 و13 سبتمبر 2026 بفندق مارينا بياسمين الحمامات، تحت عنوان:
الحركة النقابية التونسية من التاريخ المجيد إلى الأزمة البنيوية: ما العمل لإعادة بنائها في القرن الحادي والعشرين؟ من النقابية الوطنية إلى نقابة المواطنة».
وانعقدت هذه الدورة في لحظة دقيقة من تاريخ الحركة النقابية التونسية، وفي سياق وطني يتسم بأزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة. وقد انطلقت أشغال الجامعة من اعتبار أن الأزمة التي تعيشها الحركة النقابية اليوم لم تعد قابلة للاختزال في صعوبات تنظيمية، أو في خلافات بين القيادات، أو في ضعف أدوات العمل النقابي التقليدية، رغم أهمية هذه العناصر جميعًا، وإنما تعكس أزمة أعمق تتصل بالمشروع والرؤية والدور التاريخي، وفي الوقت نفسه بأزمة التنظيم والتمثيلية والقدرة على الفعل.
ومن هذا المنظور، اعتبرت أشغال الجامعة أن الأزمة النقابية لا يمكن فهمها بمعزل عن التحولات العميقة التي عرفها الاقتصاد السياسي التونسي منذ الاستقلال، ولا سيما التحول الحاسم الذي بدأ منذ أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات، والذي أفضى تدريجيًا إلى تغيير طبيعة العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع والحركة النقابية، وإلى الانتقال من نمط من التراكم المنتج إلى نمط من التراكم الريعي المعكوس.
وفي هذا السياق التاريخي، تبلورت تدريجيًا ملامح "الرأسمالية النيومخزنية"، باعتبارها نمطًا من التراكم يعمل داخل مؤسسات الدولة والسوق والمال الحديثة، ويجعل من الوصول إلى الامتياز والحماية والترخيص والريع أحد مكونات إنتاج الثروة.
وقد طرحت الجامعة الصيفية، انطلاقًا من هذه القراءة، سؤالًا مركزيًا: كيف يمكن إعادة بناء الحركة النقابية التونسية بحيث تستعيد استقلاليتها ووظيفتها التاريخية، وتنتقل من مجرد الدفاع عن المصالح المهنية المباشرة إلى المساهمة في صياغة مشروع اقتصادي واجتماعي وديمقراطي جديد؟
وانطلاقًا من هذا السؤال، لم تقتصر أشغال الدورة على تشخيص أزمة الحركة النقابية، وإنما سعت إلى ربط هذه الأزمة بأزمة المنوال التنموي، ثم الانتقال من التشخيص إلى التفكير في البديل، ومن البديل إلى تصور عملي لإعادة بناء الحركة النقابية.
ثانيًا: أشغال الجامعة الصيفية
افتتح أشغال الجامعة الصيفية رئيس جمعية محمد علي الحامي، السيد الحبيب قيزة، مرحبًا بالمشاركين والمشاركات، ومؤكدًا أهمية انعقاد الدورة الثالثة والثلاثين في هذه المرحلة التاريخية الدقيقة.
وقد تضمنت أشغال اليوم الأول مداخلة الأستاذ أحمد بن مصطفى، السفير المتقاعد، بعنوان:
"من أجل إحياء بناء الدولة الوطنية المستقلة في مواجهة المخاطر الوجودية الكوكبية والاستعمار المعولم"
تناول فيها التحديات التي تواجه الدولة الوطنية في السياق الدولي الراهن..
كما تضمنت أشغال اليوم الأول ورقة الأستاذ المولدي لحمر، الخبير في علم الاجتماع، حول ملامح أزمة الهوية التي يعيشها الاتحاد العام التونسي للشغل في الظرف الراهن.
وفي اليوم الثاني السبت 12 سبتمبر 2026، قدم الأستاذ معز العلج الخبير الاقتصادي، مداخلة بعنوان: "الأزمة البنيوية للمنوال التنموي التونسي و ملامح البديل المنشود"
وتلتها مداخلة الأستاذ منصور هلال، الباحث في القانون الاجتماعي، بعنوان:
"واقع و مصير العمل والعمال والمنظمات النقابية في ظل التحولات العميقة التي يشهدها عالم الشغل بفعل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي".
كما قدم العميد الأستاذ محمد علي الحلواني مداخلة بعنوان:
" رهانات الحركة النقابية حاضرًا ومستقبلًا".
أما اليوم الثالث، الأحد 13 سبتمبر 2026، فقد تركزت أشغال الجامعة الصيفية حول دور الفاعلين الاجتماعيين في تفكيك المنظومة الاقتصادية والاجتماعية السائدة، وتقديم ملامح مشروع تنموي بديل، تشاركي ومواطني، إلى جانب اقتراح خارطة طريق لإعادة بناء الحركة النقابية التونسية.
ولا يهدف هذا التقرير إلى إعادة عرض المداخلات بصورة منفصلة، وإنما إلى تركيب أهم الأفكار التي أفرزتها النقاشات، كما تبلورت في أشغال الجامعة، وتحويلها إلى أرضية فكرية قابلة للنقاش والتطوير
.
ثالثًا: التقرير التأليفي
. 1.الأزمة البنيوية للحركة النقابية وسياقها التاريخي
أبرزت النقاشات أن الأزمة البنيوية التي تعيشها الحركة النقابية التونسية لا يمكن فصلها عن التحولات الكبرى التي عرفتها البلاد منذ الاستقلال.
فقد أثرت القطيعة التاريخية التي عرفتها تونس منذ أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات في طبيعة العمل النقابي وفي موقع الحركة النقابية داخل المجتمع، كما أثرت في طبيعة الدولة والقوى الاجتماعية وأنماط التراكم الاقتصادي.
ولم تكن هذه القطيعة مجرد مراجعة لبعض السياسات الاقتصادية أو مجرد تخلٍّ عن تجربة التنمية خلال الستينيات، بل كانت تحولًا أوسع في طبيعة الدولة وفي علاقة الدولة بالاقتصاد والمجتمع، وفي طبيعة القوى الاجتماعية التي أصبحت تتحكم تدريجيًا في مسارات التراكم.
ومن هنا بدأ الانتقال التدريجي من التراكم المنتج القائم على أولوية بناء القدرات الإنتاجية إلى التراكم الريعي المعكوس، حيث أصبحت الثروة ترتبط بصورة متزايدة بالامتيازات وبالنفاذ إلى أجهزة الدولة وبالحماية أكثر من ارتباطها بالإنتاج والابتكار والمنافسة.
وقد انعكس هذا التحول على الحركة النقابية نفسها، إذ أدى اندماجها التدريجي في المنظومة الاقتصادية والاجتماعية الجديدة إلى إضعاف قدر من استقلاليتها التاريخية، وهو ما انعكس بدوره على هويتها ووظيفتها وآليات حوكمتها.
ومن هنا يتضح أن الأزمة التي تمر بها الحركة النقابية ليست أزمة تنظيمية فحسب، وإنما هي في جوهرها أزمة مشروع ورؤية ودور تاريخي، وأزمة تنظيم وتمثيلية وقدرة على الفعل في الوقت نفسه.
2.الجذور التاريخية للحركة النقابية التونسية
تعود الحركة النقابية التونسية إلى تاريخ مبكر من القرن العشرين، وقد تميزت نشأتها منذ البداية بتداخل النضال الاجتماعي والنقابي مع النضال الوطني.
وقد سجل المؤرخ" كلود ليوزيو" إضراب أول ماي 1904 باعتباره من أبرز المحطات المبكرة في تاريخ النضال العمالي في تونس. كما شهدت المرحلة اللاحقة تحركات عمالية ونقابية ارتبطت بالمطالبة بالمساواة في الأجور وتحسين ظروف العمل والحق النقابي
وقد شهد الحدث تجمعا عماليا حاشدا ضم خمسة آلاف عامل أمام مقر المقيم العام الفرنسي الذي يمثل السلطة الاستعمارية مطالبين بالحق النقابي و الترفيع في الأجور و تخفيض ساعات العمل و أعلنوا دخولهم في إضراب لمدة خمس عشر يوما امتد من تونس العاصمة إلى بنزرت و فيريفيل (منزل بورقيبة حاليا) و صفاقس
و لقد سجل هذا الإضراب نجاحا باهرا وحقق عدة مكاسب وأعتبرها المؤرخ "لوزيو" بمثابة تاريخ تأسيس الحركة النقابية بتونس
ومن خصوصيات الحركة النقابية التونسية في بداياتها أنها نشأت في فضاء متعدد الإثنيات والتنظيمات، حيث التقى العمال التونسيون بالعمال الوافدين، وكان للعمال الإيطاليين حضورا بارزا في الحركة العمالية المبكرة بتونس بقيادة المناضل التقدمي "نيكولوكنفدرتي".
وقد خصته الدورة الثالثة والثلاثون للجامعة الصيفية بتحية خاصة إلى جانب عدد من القادة التاريخيين للحركة النقابية والوطنية، وفي مقدمتهم محمد علي الحامي والطاهر الحداد وفرحات حشاد وأحمد بن صالح
وشهدت تلك المرحلة تصاعدًا في النضال الشعبي والنقابي والسياسي، وتشكّل تنظيمات نقابية ووطنية من أبرزها "حركة الشباب التونسي ممثلة للحركة الوطنية التي التحمت بالحركةالعمالية التونسية وقاما بمعية الجماهير الشعبية بتونس العاصمة بمقاطعة الترامواي سنة 1912إثرانتفاضة الجلاز الشعبية التي وقعت سنة 1911في سياق المطالبة بالمساواة في الأجور بين العمال التونسيين والعمال الأوروبيين بقيادة أب الحركة الوطنية التونسية الزعيم الوطني “على باش حامبة"
وجاء تأسيس جامعة عموم العملة التونسية في ديسمبر 1924، على يد محمد علي الحامي ليشكل خطوة متقدمة في تجذر النضال العمالي، إذ ربط بين النضال النقابي والتحرر الوطني، وسعى إلى بعث تعاونيات تكون رافدًا للنضال الاقتصادي والاجتماعي والوطني.
ورغم القمع الاستعماري الذي تعرضت له هذه التجربة وتشتيت صفوف قياداتها، فإن الحركة العمالية واصلت مسارها النضالي، وشهدت البلاد تحركات عمالية متتالية شملت عمال المناجم والسكك الحديدية والعمال الفلاحيين وغيرهم.
وفي إطار من التحالف بين النخبة المثقفة والحركة العمالية، نشأ الاتحاد العام التونسي للشغل في جانفي 1946، بقيادة فرحات حشاد والفاضل بن عاشور، ، على أرضية الدفاع عن حق الشغل والمساواة في الأجور واستقلالية التنظيم النقابي والتحرر الوطني.
وهكذا تشكلت، منذ بدايات الحركة النقابية، مصفوفة النقابة الوطنية التاريخية القائمة على ثلاثة عناصر مترابطة :المساواة في الأجور، والحرية النقابية واستقلالية التنظيم النقابي والمساهمة في التحرر الوطني..
. 3.الحركة النقابية بعد الاستقلال وتجربة التنمية في الستينيات
بعد الاستقلال، واصلت الحركة النقابية حضورها في النقاش حول التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وطرح الاتحاد العام التونسي للشغل برنامجه الاقتصادي والاجتماعي الذي صادق عليه مؤتمره السادس سنة 1956، والقائم على بناء اقتصاد وطني حديث يعتمد التخطيط والتعاون..
وقد مثل هذا البرنامج امتدادًا، في جوانب منه، لبعض الأفكار التي كانت قد ظهرت في تجربة محمد علي الحامي، ولا سيما الربط بين التنظيم العمالي والتنمية الاقتصادية وبناء القدرات الوطنية.
غير أن السلطة السياسية الجديدة لم تتبنَّ هذا البرنامج منذ البداية باعتباره الإطار الذي ينبغي أن تقاد من خلاله عملية التنمية الوطنية، بل أبدت احترازًا منه، وراهنت في مرحلة أولى على قدرة الرأسمالية المحلية على الاضطلاع بالدور القيادي في التنمية وبناء الاقتصاد الوطني.
وكان هذا الخيار يعكس تصورًا مختلفًا لطبيعة التنمية وللدور الذي ينبغي أن تضطلع به الدولة والحركة النقابية والرأسمالية المحلية في عملية بناء الاقتصاد بعد الاستقلال.
غير أن محدودية هذا الرهان وعدم قدرة الرأسمالية المحلية، في تلك المرحلة، على الاضطلاع بالدور المنتظر منها في بناء قاعدة إنتاجية وطنية قادرة على قيادة التحول الاقتصادي، دفعا السلطة تدريجيًا إلى مراجعة موقفها.
وفي هذا السياق، عادت السلطة إلى قبول جانب أساسي من البرنامج الاقتصادي والاجتماعي الذي كانت الحركة النقابية قد طرحته، وتم تكليف أحمد بن صالح بقيادة تجربة التنمية وتطبيق اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية.
وشهدت الستينيات، بناءً على ذلك، اضطلاع الدولة بدور مركزي في بناء الاقتصاد والمجتمع معًا، فشملت عملية التنمية تعميم التعليم وتطوير الصحة العمومية والضمان الاجتماعي والبنية الأساسية، وتأميم أراضي المعمرين، وبعث الدواوين والمؤسسات والمنشآت العمومية، وتطوير الصناعات الأساسية، مثل معمل الحلفاء بالقصرين والفولاذ بمنزل بورقيبة و تكرير النفط ببنزرت والسكر بباجة والنسيج بالساحل والصناعات الكيميائية بقابس ، إلى جانب استغلال الموارد النفطية في البرمة..
وقد حققت هذه المرحلة مكاسب مهمة على مستوى بناء الدولة والقدرات الإنتاجية والخدمات الاجتماعية
غير أن هذه التجربة لم تكن خالية من النقائص، إذ تزامنت مع هيمنة الحزب الواحد وتدخل الدولة في الفضاءات السياسية والمدنية والمنظمات الوطنية، إلى جانب صعوبات الإدارة والتسيير والإنتاج والظروف المناخية الصعبة.
وتطرح هذه التجربة، لذلك، إشكالية مركبة: فقد كان للدولة دور أساسي في بناء الاقتصاد والمجتمع، لكن ذلك تم داخل نظام سياسي قائم على هيمنة الجزب الواحد وتدجينه للمنظمات الوطنية وعدم احترام الحرية النقابية و السياسية .
4.القطيعة التاريخية والانتقال إلى التراكم الريعي المعكوس
شهدت نهاية الستينيات قطيعة نوعية مع النموذج التنموي الذي ساد خلال الستينيات.
وتطرح أشغال الجامعة هذه القطيعة باعتبارها لحظة تأسيسية لفهم التحول اللاحق في طبيعة التراكم الاقتصادي وعلاقة الدولة بالقوى الاجتماعية.
غالبًا ما يُقدَّم إنهاء التجربة التعاونية سنة 1969 باعتباره مجرد «إخفاق تقني» في إدارة الاقتصاد. غير أن هذا التفسير يظل قاصرًا عن استيعاب أبعاد الحدث التاريخية. فمن منظور الاقتصاد السياسي وتحليل الصراع الإجتماعي، لا يمثل هذا الحدث فشلًا إداريًا فحسب، بل يجسد ثورة مضادة استهدفت إعادة تشكيل موازين القوى الاجتماعية وإعادة توجيه مسار الدولة الوطنية.
لقد أدى تعميم النظام التعاوني على القطاع الزراعي في أواخر الستينيات إلى تهديد مباشر للمصالح الاقتصادية لكبار ملاك الأراضي وللبرجوازية التجارية التقليدية، التي رأت في هذا المشروع مساسًا بأسس الملكية الخاصة وبمصادر تراكمها الريعي..
وفي هذا السياق، تشكل تحالف موضوعي بين مختلف الفئات المتضررة من المشروع التعاوني، وعمل بصورة تدريجية على إفشاله. فقد لجأ كبار ملاك الأراضي، وخاصة في الشمال والساحل، إلى تقليص استثماراتهم الفلاحية، وإتلاف جزء من الثروة الحيوانية تفاديًا لإدماجها في التعاونيات، واحتجاز المحاصيل قصد إرباك الدورة الاقتصادية.
وفي المقابل، نظمت البرجوازية التجارية شبكات موازية للتوزيع والتبادل خارج القنوات الرسمية، بما أدى إلى تقويض سياسة الدولة الرامية إلى احتكار التجارة الداخلية وتنظيم مسالك التوزيع.
ولم يقتصرهذا التحالف على القوى الاقتصادية، بل وجد امتدادًا داخل أجهزة الدولة نفسها، من خلال جناح داخل التكنوقراطية، كان من أبرز ممثليه الهادي نويرة، محافظ البنك المركزي آنذاك ، و الذي كان عند توليه وزارة المالية في بداية الاستقلال سنة 1956، من دعاة أن تضطلع الرأسمالية المحلية بدور قيادي في عملية التنمية. وقد أسهم هذا الجناح في توفير الغطاء السياسي والمؤسساتي لإنهاء التجربة التعاونية مختزلة التجربة في الصعوبات الإدارية و المناخية الصعبة وتعميم التعاضد و مغيبة المكاسب الكبيرة التي حققتها التجربة التنموية في الستينات على مستوى التعليم و الصحة و الحماية الاجتماعية و البنية الأساسية و و المنشآت العمومية ة التمية الجهوية بخلق أقطاب تنموية في الجهات و الدواوين الفلاحية و التجارية ......
وجاءت الاضطرابات الاجتماعية التي شهدتها بعض المناطق الريفية لتوفر المبرر السياسي لإيقاف المشروع. فاختار الرئيس الحبيب بورقيبة، حفاظًا على توازنات النظام، التضحية بالجناح الإصلاحي داخل الحزب. فاعتُقل أحمد بن صالح، وأُحيل إلى المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى، وصدر في حقه حكم بالسجن
ولم تكن تلك المحاكمة مجرد مساءلة لشخص، بل مثلت تصفية سياسية لمشروع تنموي بأكمله، وإعلانًا عن نهاية مشروع الدولة التنموية وبداية مرحلة إعادة بناء الرأسمالية الخاصة
وبذلك لم تكن القطيعة مجرد نتيجة آلية للصعوبات الإدارية و المناخية و السياسية التي عرفتها تجربة التنمية، فحسب وإنما جاءت خاصة ، نتيجة تفاعل بين نقاط ضعف التجربة، والصراعات الاجتماعية والسياسية حول اتجاه التنمية، ومصالح قوى الرأسمالية المحلية التي كانت تدفع نحو تغيير طبيعة التراكم..
وانتقلت الأولوية تدريجيًا من بناء القدرات الإنتاجية إلى نمط من التراكم يقوم بدرجة أكبر على الريع والامتياز والحماية والنفاذ إلى الدولة.
وساهمت الظروف الدولية الملائمة في بداية السبعينيات، وتحسن الظروف المناخية، وارتفاع عائدات النفط واستغلال حقل البرمة، في إخفاء جزء من التناقضات البنيوية للنموذج الجديد خلال فترة من الزمن.
لكن الاختيارات الاقتصادية اللاحقة أظهرت تدريجيًا حدود هذا المسار، ومن أبرز محطاته قانون أفريل 1972، الذي ساهم في جذب الاستثمار وتطوير الصادرات، لكنه أدى في الوقت نفسه إلى تعزيز أنشطة المناولة والتجميع منخفضة القيمة المضافة، وإلى تكريس ازدواجية اقتصادية بين مؤسسات وطنية ومؤسسات غير مقيمة تتمتع بجملة من الامتيازات الجبائية والاجتماعية والديوانية.
ومن هذا المسار تبلورت، بنية تراكم يمكن تسميتها "الرأسمالية النيومخزنية".
والمقصود بهذا المفهوم ليس العودة إلى المخزن التقليدي، ولا اختزال الظاهرة في رأسمالية المحاسيب أو في الدولة الريعية أو في التبعية، وإنما وصف نمط حديث من التراكم يعمل داخل مؤسسات الدولة والسوق والمال الحديثة، ويجعل الوصول إلى الامتياز والحماية والترخيص والريع جزءًا من آليات إنتاج الثروة.
وبهذا المعنى، تختلف الرأسمالية النيومخزنية عن المخزن التقليدي، كما لا تختزل في رأسمالية المحاسيب أو الدولة الريعية، ولا تلغي أهمية التحليل الذي تقدمه نظرية التبعية، وإنما تقترح زاوية إضافية لتحليل كيفية تشكل العلاقة بين الدولة والسوق والقوى الاقتصادية في الحالة التونسية.
5.آليات الإغلاق وإعادة إنتاج المنظومة
تجسدت آليات هذا النمط من التراكم في مجموعة من مظاهر الإغلاق، من بينها نظام التراخيص، والتركيز الاقتصادي والمالي، والامتيازات، والحواجز أمام المنافسة، وما ترتب عنها من بطالة وبطالة أصحاب الشهادات وهشاشة العمل والتفاوت الجهوي والهجرة، إضافة إلى مظاهر الاستغلال في بعض القطاعات.
وأدت الاختلالات المالية في النهاية إلى أزمة 1986 واعتماد برنامج الإصلاح الهيكلي، بما رافقه من إعادة ترتيب للعلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع.
ولم يكن هذا المسار خاليًا من المقاومة. فقد شهدت تونس موجات متتالية من الاحتجاج الاجتماعي والنقابي والشعبي، من الإضراب العام في 26 جانفي 1978 إلى انتفاضة الخبز 1983–1984، وأحداث الحوض المنجمي سنة 2008، ثم الانتفاضة الشعبية في 2010–2011.
غير أن هذه الهزات، رغم أهميتها، لم تؤد في كل مرة إلى تغيير جذري في قواعد التراكم.
وقد خلصت أشغال الجامعة إلى أن سقوط رأس النظام في 14 جانفي 2011 لم يؤد، في حد ذاته، إلى انهيار البنية الاقتصادية والاجتماعية التي تشكلت خلال عقود، إذ استمرت شبكات المصالح وقواعد التراكم والحواجز التنظيمية وأنماط توزيع الموارد، وأعيد إنتاج عدد من آليات الإغلاق في مستويات إدارية وتنظيمية ومالية واقتصادية واجتماعية مختلفة.
ومن هذا المنظور، فإن التغيير السياسي الذي حدث سنة 2011 لم يكن مصحوبًا بقطيعة اقتصادية واجتماعية مماثلة، وهو ما يفسر جانبًا من الصعوبات التي واجهها المسار الديمقراطي فقد غيبت الأبعاد الاقتصادية و الاجتماعية في الثورة وهي قلب المشروع السياسي مما أدى إلى تعثر الانتقال الديمقراطي لأن الديمقراطية السياسية لا تستطيع أن تستقر في فراغ اقتصاديو اجتماعي في ظل تواصل هيمنة المنظومة الرأسمالية النيومخزنية
ولم يستطع اتحاد الشغل ،رغم احتفاظه بثقل اجتماعي هام أن يحول هذا الثقل إلى مشروع اقتصادي واجتماعي بديل ،إذا نخرط في تجاذبات سياسوية وتحالفات مع الراسمالية النيومخزنية ممثلة في أطراف من منظمة الأعراف ،مما حال دون إمكان المساهمة في تغيير طبيعة التراكم وأضاع فرصة تاريخية و إصلاح الدولة و تحرير المجال النقابي و ضمان المنافسة و الحوار الاجتماعي ،وإعادة الاعتبار للحركة النقابية و لإنقاذ البلاد
6.الحركة النقابية وأزمة الاستقلالية
لم تكن الحركة النقابية نفسها بمنأى عن آليات الاحتواء والإغلاق.
فبعد عقود من المقاومة والصراعات من أجل استقلالية العمل النقابي، تعرضت الحركة النقابية، وفق هذا التشخيص، إلى أشكال متعددة من الضغط والاحتواء والإكراه والإغراء والمنافسة التنظيمية، بما أدى تدريجيًا إلى إضعاف استقلاليتها التاريخية.
وتعتبر أشغال الجامعة الصيفية أن هذا المسار بلغ مرحلة جديدة في أواخر الثمانينيات، وربطت بين ذلك وبين الخيارات التي تبلورت داخل الحركة النقابية في تلك المرحلة، وخاصة مؤتمر سوسة سنة 1989و أدت إلى تدجين اتحاد الشغل وانخراطه في المنظومة النيومخزنية.
ولا يعني هذا التشخيص إنكار التاريخ النضالي للحركة النقابية أو إنكار ما راكمته من مقاومة، وإنما يعني أن استمرار الحركة النقابية في أداء دورها التاريخي يتطلب اليوم إعادة بناء استقلاليتها وهويتها ووظيفتها.
فالأزمة ليست أزمة تنظيم فقط، بل أزمة العلاقة بين المشروع النقابي والمجتمع والدولة والاقتصاد.
7. من نقد المنظومة إلى بناء البديل
انطلاقًا من هذا التشخيص، أكدت أشغال الجامعة ضرورة الربط بين إعادة بناء الحركة النقابية على أسس جديدة وبين المساهمة في تفكيك آليات المنظومة التي تعيد إنتاج التراكم الريعي المعكوس.
ولا يعني تفكيك الرأسمالية النيومخزنية تفكيك الاقتصاد الوطني، وإنما تحرير الاقتصاد من آليات الريع والامتياز والاحتكار والإغلاق.
كما لا يعني إضعاف الدولة، بل إعادة بنائها على أساس الاستراتيجية والديمقراطية والمساءلة.
ولا يعني تفتيت الحركة النقابية، بل تحريرها من الاحتواء وبناء وحدتها على أساس الحرية والتعددية ووحدة العمل.
ومن هنا تقترح الجامعة الانتقال من نموذج مغلق إلى منوال تنموي تشاركي ومواطني يقوم على الدولة الاستراتيجية الديمقراطية، وعلى شراكة بين ثلاثة قطاعات متكاملة::
القطاع العمومي والرأسمالية الوطنية المنتجة و الاقتصاد الاجتماعي و التضامني
ويفترض هذا التصور وجود عقد اجتماعي مواطني يربط مختلف القوى الاجتماعية والاقتصادية حول مشروع جديد يقوم على الإنتاج والابتكار والعدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية والتضامن.
ولا تستطيع الحركة النقابية أن تؤدي دورها التاريخي إذا ظلت تعاني في الوقت نفسه من أزمة في الحوكمة والتمثيلية والانتساب والموارد والحضور في مواقع العمل وتجديد القيادات والقدرة على تنظيم الأشكال الجديدة من العمل.
ومن هنا تبرز ضرورة الربط بين إعادة بناء المشروع وإعادة بناء الأداة.
فحين تفقد الحركة النقابية وضوح مشروعها التاريخي تصبح أكثر عرضة للاحتواء والانغلاق في الوظيفة المهنية الضيقة.
وحين تضعف قدرتها التنظيمية والتمثيلية تصبح عاجزة عن تحويل رؤيتها الاقتصادية والاجتماعية إلى قوة مؤثرة في السياسات العمومية وفي مستقبل البلاد.
وعليه، فإن إعادة الاعتبار للحركة النقابية تتطلب إعادة بناء المشروع وإعادة بناء الأداة في آن واحد.
وإذا كانت الرأسمالية النيومخزنية قد قامت تاريخيًا على الإغلاق، فإن البديل ينبغي أن يقوم على الانفتاح:
انفتاح اقتصادي قائم على المنافسة والإنتاج؛
انفتاح سياسي قائم على الاستحقاقات الديمقراطية؛
انفتاح نقابي قائم على الحرية والتعددية؛
انفتاح اجتماعي قائم على المشاركة؛
وانفتاح تنموي قائم على الشراكة بين الدولة والقطاعات الاقتصادية والمجتمع.
وفي هذا السياق، تصبح نقابة المواطنة أكثر من مجرد تغيير في التسمية أو الشكل التنظيمي، إذ تعبر عن تحول في الوظيفة التاريخية للحركة النقابية.
فهي نقابة تدافع عن العمل، لكنها تدافع أيضًا عن المواطن؛ تفاوض على الأجر، وتشارك في صياغة السياسات العمومية؛ تدافع عن الحقوق الاجتماعية، وتساهم في بناء الاقتصاد المنتج؛ تواجه التهميش، وتشارك في بناء التنمية؛ تحافظ على استقلاليتها، لكنها لا تنغلق على نفسها؛ تقبل التعددية، وتسعى في الوقت نفسه إلى وحدة العمل.
وهدفها بناء حركة نقابية قادرة على أن تكون قوة اجتماعية واقتصادية وديمقراطية ومواطنة، وقادرة على المشاركة في تفكيك منظومة التراكم العكسي والمساهمة في بناء منوال تنموي مواطني وديمقراطي.
وبذلك يصبح الانتقال:
من النقابة الوطنية إلى نقابة المواطنة.
ومن الاحتواء إلى الاستقلال.
ومن التعددية المصطنعة إلى التعددية الديمقراطية.
ومن التراكم العكسي إلى التراكم المنتج.
ومن الريع إلى الإنتاج.
ومن الدولة الاحتوائية التسلطية إلى الدولة الاستراتيجية الديمقراطية.
ومن الحوار الاجتماعي الظرفي إلى العقد الاجتماعي المواطني.
ومن الدفاع عن النموذج القائم إلى المشاركة في بناء نموذج جديد.
إنها ليست مهمة منظمة واحدة ولا مهمة جيل واحد، وإنما مهمة تاريخية مشتركة تبدأ من إعادة بناء الحركة النقابية وتتجاوزها إلى إعادة بناء العلاقة بين العمل والدولة والمجتمع والتنمية
8.من النقابية الوطنية إلى نقابة المواطنة
شكل مفهوم نقابة المواطنة أحد أبرز المقترحات التي تبلورت خلال أشغال الجامعة.
ولا يعني هذا المفهوم التخلي عن الوظيفة التقليدية للحركة النقابية في الدفاع عن العمال والأجور والحقوق الاجتماعية، وإنما توسيع هذه الوظيفة لتشمل المشاركة في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، والدفاع عن المصلحة العامة، والمساهمة في بناء التنمية.
وتقوم نقابة المواطنة على:
الحرية والاستقلالية النقابية،
التعددية ووحدة العمل؛
التفاوض الجماعي والحوار الاجتماعي؛
الديمقراطية الاجتماعية؛
الدفاع عن العمل اللائق؛
المشاركة في السياسات العمومية؛
المساهمة في بناء اقتصاد منتج ومبتكر؛
والمشاركة في بناء منوال تنموي تشاركي ومواطني.
9.منوال تنموي جديد
اقترحت أشغال الجامعة تصورًا لمنوال تنموي تشاركي ومواطني يقوم على شراكة بين ثلاثة قطاعات متكاملة:
1.قطاع عمومي حديث وفعال وديمقراطي؛
2.رأسمالية وطنية منتجة ومبتكرة وتنافسية؛
3. اقتصاد اجتماعي وتضامني متطور.
ويتطلب هذا التصور قيام دولة استراتيجية ديمقراطية تضطلع بالتخطيط والتنظيم والتنسيق والتقييم، وتحمي المنافسة، وتكافح الريع والاحتكار، وتستثمر في التعليم والصحة والبحث والابتكار والبنية الأساسية.
كما يتطلب بناء عقد اجتماعي مواطني جديد يقوم على الحرية والعدالة والإنتاج والتضامن والديمقراطية والمسؤولية والمشاركة.
إعادة بناء الحركة النقابية
أكدت الجامعة الصيفية أن إعادة بناء الحركة النقابية تقتضي العمل في مسارين متلازمين:
إ10.عادة بناء المشروع النقابي، وإعادة بناء الأداة التنظيمية:
اقتراح خارطة طريق لإعادة بناء الحركة النقابية
تواجه الحركة النقابية التونسية اليوم مجموعة من التحديات التنظيمية المتراكمة، وهو ما يتطلب اقتراح خارطة طريق عملية تربط بين إعادة بناء المشروع وإعادة بناء القدرة على الفعل.
وتتضمن هذه الخارطة:
+ إصلاح الحوكمة النقابية وتعزيز الديمقراطية الداخلية والشفافية المالية.
+تطوير التمثيلية وتجديد طرق الانتساب واستقطاب الشباب والنساء.
+تنظيم العمال الهشين وعمال المنصات والأشكال الجديدة من العمل.
+تعزيز الحضور النقابي في مواقع العمل وعلى المستوى المحلي والجهوي.
+تطوير النقابية الرقمية وبناء قدرات جديدة في التنظيم والتواصل.
إعادة بناء الحوار الاجتماعي وتطوير التفاوض الجماعي.+
+ضمان الحرية والتعددية النقابية وبناء وحدة عمل بين مختلف التنظيمات.
تطوير الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.+
المشاركة في صياغة السياسات العمومية.+
الدفاع عن الانتقال البيئي العادل.+
+إصلاح القطاع العمومي وتحسين جودة خدماته.
+دعم الرأسمال الوطني المنتج والاستثمار والإنتاج والابتكار.
+تفكيك آليات الريع والامتياز والاحتكار.
+بناء الدولة الاستراتيجية الديمقراطية.
+صياغة عقد اجتماعي مواطني جديد.
+بناء كتلة تاريخية جديدة حول مشروع تنموي تشاركي ومواطني.
إن الانتقال من النقابة الوطنية إلى نقابة المواطنة يمثل نقلة نوعية في مكانة ودور الحركة النقابية التونسية، ويمكن أن يساهم في بناء تونس أكثر إنتاجًا وعدالة وديمقراطية ومواطنة.
. 11.الخاتمة
تقف الحركة النقابية التونسية أمام لحظة تاريخية جديدة.
فالمطلوب ليس المحافظة على الحركة النقابية كما هي، وإنما إعادة اكتشاف وظيفتها التاريخية في ضوء التحولات الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية التي عرفتها البلاد والعالم.
إن الانتقال من النقابة الوطنية إلى نقابة المواطنة لا يعني القطيعة مع تاريخ الحركة النقابية، بل يعني تطوير هذا التاريخ والاستجابة لشروط المرحلة الجديدة.
وكما كان الاستقلال النقابي ضرورة في مواجهة الاستعمار، تصبح الحرية النقابية والتعددية ضرورة في مواجهة منظومة الإغلاق.
وكما كان التحالف بين الحركة العمالية والحركة الوطنية ضروريًا لتحقيق الاستقلال، يصبح بناء كتلة تاريخية جديدة تضم مختلف القوى الاجتماعية والاقتصادية والمجتمعية ضرورة لبناء المستقبل.
إن تفكيك الرأسمالية النيومخزنية لا يعني تفكيك الاقتصاد الوطني، بل تحريره من الريع.
ولا يعني إضعاف الدولة، بل إعادة بنائها على أساس الاستراتيجية والديمقراطية والمساءلة.
ولا يعني تفتيت الحركة النقابية، بل تحريرها من الاحتواء وبناء وحدتها على أساس الحرية والتعددية ووحدة العمل.
ومن هنا فإن العقد الاجتماعي المواطني يمثل إطارًا يمكن أن يجمع القوى الاجتماعية المختلفة حول مشروع تنموي جديد يقوم على الإنتاج والابتكار والعدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية والتضامن.
وهذه هي المهمة التي طرحتها الجامعة الصيفية الثالثة والثلاثون، والتي يمكن أن تشكل أرضية عمل قابلة للتطوير في المستقبل.
من النقابة الوطنية إلى نقابة المواطنة.
من التراكم العكسي إلى التراكم المنتج.
من الريع إلى الإنتاج.
من الدولة الاحتوائية إلى الدولة الاستراتيجية الديمقراطية.
ومن نقد المنظومة إلى تفكيكها وبناء البديل
12. توصيات الجامعة الصيفية
خلصت الدورة إلى عدد من المقترحات العملية، من أبرزها::
أ. إنشاء لجنة للتفكير في مستقبل الحركة النقابية التونسية وتنظيم ندوة دولية حول مستقبل النقابية في القرن الحادي والعشرين؛
ب. بتنظيم ندوة دولية حول المنوال التنموي مع مقارني مع تجارب دولية ناجحة ؛
ج.تنظيم ندوة وطنية حول النظام التربوي مع مقارنة مع تجارب دولية ناجعة؛
د. مواصلة النقاش حول مفهوم نقابة المواطنة؛
ه. تعميق التفكير في المنوال التنموي التشاركي والمواطني؛
و. مواصلة الحوار الوطني والنقابي حول إعادة بناء الحركة النقابية.
تأسيس متحف الركة العمالية التونسية من سنة 1904 إلى الآن
إصدار دليل مناضلي و مناضلات الحركة العمالية و النقابية التونسية منذ نشأتها
13.كلمة أخيرة
لم تكن الجامعة الصيفية الثالثة والثلاثون مجرد مناسبة لتشخيص أزمة الحركة النقابية، وإنما شكلت فضاءً للتفكير في مستقبلها وفي موقعها داخل المشروع المواطني الجديد.
وقد أظهرت النقاشات أن تجاوز الأزمة لا يمكن أن يتم من خلال إصلاح تنظيمي محدود، ولا من خلال تغيير الأشخاص فقط، وإنما يتطلب إعادة بناء العلاقة بين المشروع والأداة، وبين النقابة والمجتمع، وبين العمل والتنمية، وبين الدولة والاقتصاد.
ومن هنا، فإن السؤال الذي طرحته الجامعة الصيفية لا يتعلق فقط بكيفية المحافظة على الحركة النقابية، وإنما بكيفية جعلها قادرة من جديد على الإسهام في صياغة مستقبل تونس في القرن الحادي و العشرين :
من التاريخ إلى المستقبل، ومن النقابية الوطنية إلى نقابة المواطنة.
صياغة التقرير: السيد الحبيب قيزة
*****


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق