موت مؤجل

قصة النهاية المأساوية للزعيم المنسي شمس الدين العجيمي 

لم يكن القلم في يد شمس الدين العجيمي شيئًا من تلك الأشياء التي يألفها الناس، فيحسبونها أدوات للكتابة والتعبير، ثم لا يجاوزون بها حدود الورق والحبر. لقد كان قلمه، في حقيقة الأمر، سلاحًا من نوع آخر؛ سلاحًا لا يُسمع له أزيز، ولا يُرى له دخان، ولكنه كان ينفذ إلى مواضع ربما عجز الرصاص عن بلوغها. كان يقتحم ما أُسدل من أستار على الحقيقة، ويكشف ما أُحيط به من هالة القداسة المصطنعة، تلك التي أخذ بعض زعماء الحزب الحر الدستوري الجديد ينسجونها حول أنفسهم، حتى خُيّل إلى الناس أن الاقتراب منها خروج على المألوف، وأن مساءلتها ضرب من ضروب الجرأة التي لا تُغتفر.

وكانت تونس، في أواخر الأربعينيات، تعيش زمنًا مضطربًا، تتجاذبها فيه قوى السياسة، وتتنازعها أسئلة الهوية والزعامة والمستقبل. لم تكن الحركة الوطنية قد فرغت من معركتها مع الاستعمار، حتى وجدت نفسها أمام معارك أخرى تنشب في داخلها، وتشتد بين أبنائها، كأنما كان عليها أن تخوض صراعين في وقت واحد: صراعًا من أجل الوطن، وصراعًا من أجل تحديد من يملك حق الكلام باسمه، ومن يملك حق توجيه خطاه.

وفي ذلك المناخ، ظهر شمس الدين العجيمي بصوته المختلف، وبثقافته الواسعة، وبإتقانه للغة الفرنسية التي جعل منها وسيلة لمخاطبة النخبة، لا مجرد زينة للحديث والكتابة. كان خطابه موجهًا إلى أولئك الذين ألفوا النظر في المسائل بعين النقد، والاحتكام إلى الحجة، ومناقشة الأفكار بعيدًا عن حرارة الشعارات وضجيج الولاءات. ولم يكن يطلب من الناس أن يصفقوا له، بقدر ما كان يدعوهم إلى أن يفكروا، وأن يسألوا، وأن ينظروا في ما يُعرض عليهم من مواقف وسياسات.

ولعل هذا الاختلاف، في زمن كانت فيه الطاعة الحزبية تكاد تصبح فضيلة قائمة بذاتها، هو الذي جعل العجيمي مصدر قلق للذين استراحوا إلى وحدة الصوت، وضاقوا بكل صوت يخرج عليها. فقد كان من اليسير أن يُحتمل خصم يخاصم من خارج الصف، أما أن ينبعث النقد من داخل الحركة الوطنية نفسها، وأن يتخذ صاحبه من الفكر والكتابة سبيلًا إلى مناقشة الزعماء ومواقفهم، فذلك أمر لم يكن يسيرًا على النفوس التي ألفت أن تُطاع أكثر مما ألفت أن تُسأل.

وكان صالح بن يوسف يومئذ يدير دفة الحزب بقبضة قوية، مستفيدًا من غياب الحبيب بورقيبة في مصر. وقد بدا أن المجال قد اتسع لنفوذه، وأنه لا يريد لصوت آخر أن ينازعه سلطة التوجيه أو حق التأثير. ولم يكن في وسعه، فيما يبدو، أن ينظر بعين الرضا إلى رجل يجرؤ على مخالفة الخط الحزبي، أو يكشف ما يراه عيوبًا في السياسات المتبعة، أو يرفض أن يسير في الركب لمجرد أن الركب قد اختار وجهته.

ومن هنا بدأت الصحافة الدستورية تؤدي دورًا يتجاوز الرد على الآراء ومناقشة الحجج. فقد كان المنتظر من الصحافة أن تكون ميدانًا للكلمة، وأن ترد على الفكرة بالفكرة، وأن تتيح للاختلاف أن يظهر في صورته الطبيعية. ولكن الأمر لم يجر على هذا النحو؛ إذ أخذت الكتابة تنحدر شيئًا فشيئًا من النقد إلى السخرية، ومن السخرية إلى الإهانة، ثم من الإهانة إلى التخوين والتحريض. ولم يعد الخلاف خلافًا في الرأي، ولا اختلافًا في تقدير المصلحة الوطنية، بل صار خصومة تستهدف صاحب الرأي نفسه، وتسعى إلى تجريده من اعتباره، وإلى إقناع الناس بأن مجرد مخالفته للزعامة دليل على سوء طويته وخيانة قضيته.

وهكذا أخذت صورة العجيمي تُرسم في بعض أعمدة الصحف رسمًا لا يشبه الرجل الذي يكتب ويفكر ويناقش، وإنما يشبه عدوًا ينبغي التخلص منه. ولعل أخطر ما في هذا التحول أن الكلمة، حين تخرج من الصحيفة، لا تبقى دائمًا حبيسة الورق؛ فقد تجد طريقها إلى نفوس لا تملك من أدوات التمييز ما يحول بينها وبين تصديقها، وقد تتحول، في ذهن بعض القراء، من رأي قابل للمناقشة إلى يقين لا يقبل الشك، ومن اتهام لا دليل عليه إلى حكم يستوجب العقاب.

وكانت الفاجعة تقترب، وإن لم يكن أحد يستطيع أن يحدد متى تقع، ولا كيف تتخذ صورتها.

في الثاني والعشرين من أفريل سنة 1949، لم يعد الأمر متعلقًا بمقال يرد عليه مقال، أو باتهام يواجهه تكذيب، أو بخصومة سياسية تنتهي عند حدود المنابر. ففي ذلك اليوم، أطلق علي بن صالح بن عائشة الجندوبي ثلاث رصاصات على شمس الدين العجيمي. وكان المعتدي، بحسب ما تذكره المعطيات الواردة في الوثائق، ممن تورطوا من قبل في قضايا تتصل بالمساس بالأمن. ولم يكن بعيدًا عن ذلك المناخ الذي غذّته حملات التحريض المتواصلة، حتى استقر في نفسه، كما يبدو من الروايات الصحفية والوثائق المشار إليها، يقين زائف مؤداه أن العجيمي خائن، وأن التخلص منه عمل مشروع.

وهنا تبرز المسألة التي تستحق التأمل أكثر من غيرها: كيف تبلغ الكلمة هذه المنزلة من الخطر؟ وكيف ينتقل الإنسان من قراءة اتهام في صحيفة إلى الاقتناع بأن له حقًا في أن ينفذ حكمًا لم تصدره محكمة، ولم يثبته دليل، ولم يأذن به قانون؟

لقد أشار التقرير المحفوظ بأرشيف الإقامة العامة، في الملف 2، الوثيقة 510، كما أشارت مقالات جريدة L’action nationale، الصادرة يوم السبت 30 أفريل 1949، ولا سيما المقال المعنون «المذنبون الحقيقيون»، إلى أن المعتدي كان مشبعًا بذلك التصور الذي جعل من شمس الدين العجيمي خائنًا ينبغي التخلص منه. ولم تكن هذه الإشارة أمرًا هينًا؛ فهي تفتح بابًا واسعًا للتفكير في الصلة بين الخطاب الصحفي والعنف السياسي، وفي المسؤولية التي قد تتحملها الكلمة حين تتخلى عن مهمتها في الإقناع، وتتحول إلى أداة لتعبئة النفوس ضد إنسان بعينه.

ولم تكن الدوافع التي أحاطت بالاعتداء، كما تكشفها المعطيات المتاحة، بسيطة أو أحادية. فقد تداخلت فيها اعتبارات متعددة: رغبة في وأد حركة «الاتحاد والترقي» المعارضة، وإظهار بأس الحزب وقوته، وإفهام المخالفين أن الخروج عن الخط المرسوم قد تكون له عواقب لا تُحمد. وربما اتصل الأمر أيضًا بمحاولة صرف الأنظار عن أزمات مالية خانقة، من بينها ما تعلق بأموال لجنة مساعدة فلسطين. وهكذا لم يعد الاعتداء مجرد فعل فردي منفصل عن سياقه، بل غدا حادثة تتقاطع عندها الخصومات السياسية، وحسابات النفوذ، ومصالح التنظيم، وما كانت الصحافة تزرعه في الأذهان من صور وأحكام.

غير أن ما يبعث على الأسى، وربما على الدهشة أيضًا، ليس وقوع الاعتداء وحده، وإنما ما أحاط به بعد وقوعه. فقد كان المنتظر أن ترتفع الصحافة الرسمية صوتها، وأن تدين الجريمة، وأن تدافع عن حق الاختلاف، وأن تذكّر بأن الخصومة السياسية، مهما اشتدت، لا تبيح الاعتداء على حياة الناس. ولكن الصمت كان أبلغ من الكلام. ولم يكن ذلك الصمت، في نظر من تابعوا القضية، صمتًا بريئًا من الدلالة؛ فقد انضمت إليه مساعي بعض المحامين إلى الدفاع عن الجاني، الأمر الذي أثار شبهة التواطؤ، أو على الأقل شبهة التساهل مع فعل كان ينبغي أن يلقى إدانة واضحة لا لبس فيها.

وما أشد غرابة السياسة حين تضيق بالاختلاف إلى هذا الحد! إن الرجل الذي يكتب رأيًا مخالفًا يصبح متهمًا، ثم يصبح متهمًا خائنًا، ثم يغدو، في نظر بعض المتحمسين، شخصًا لا يستحق الحماية. وما بين هذه المراحل الثلاث مسافة قصيرة، ولكنها مسافة خطيرة؛ إذ لا يحتاج الأمر فيها إلا إلى خطاب يكرر الاتهام، وصحيفة تذيعه، ونفس مستعدة لأن تصدق، ويد لا تتردد حين تجد في التحريض إذنًا معنويًا بالفعل.

على أن الأقدار لم تشأ أن تنتهي الحكاية عند الرصاصات الثلاث. فقد نجا شمس الدين العجيمي من محاولة الاغتيال، وبقي على قيد الحياة، كأنما أريد له أن يعود من حافة الموت ليواصل معركته بالكلمة. وكان في نجاته ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الرصاص لم يبلغ غايته، وأن القلم الذي أقلق خصومه لم يزل قادرًا على أن يواصل الكتابة، وأن الفكر الذي أرادوا إسكات صاحبه لم يفقد صوته.

ولكن الحكاية لم تكن قد انتهت، وإن بدا للناس أن فصلها الأعنف قد طُوي.

فما هي إلا شهور قليلة حتى أقبلت صائفة سنة 1949، وجاء معها خبر الموت المفاجئ لشمس الدين العجيمي، في ظروف غامضة لم تبددها المعطيات المتاحة، ولم تضع حدًا لما أثاره الرحيل من تساؤلات. وهنا يعود المرء إلى ما جرى في الثاني والعشرين من أفريل، ويعيد النظر في الرصاصات الثلاث، وفي الصحافة التي سبقتها، وفي الصمت الذي أعقبها، ثم يقف أمام الموت الثاني، فلا يملك إلا أن يسأل.

أكان رحيل العجيمي في صائفة ذلك العام نهاية طبيعية لحياة أنهكتها الخصومات والاعتداءات؟ أم كان وراءه ما لم تكشف عنه الوثائق؟ وهل كان الموت المفاجئ حادثًا لا صلة له بمحاولة الاغتيال السابقة، أم أن الصلة بينهما تستحق البحث والتقصي؟ وهل يمكن أن تكون الرصاصات التي أخفقت في إنهاء حياته علنًا قد مهدت الطريق إلى نهاية أخرى، أكثر خفاءً وأشد التباسًا؟

إن هذه الأسئلة لا يجوز أن تتحول إلى أحكام قاطعة، ما دامت الأدلة التي تثبتها غير متوافرة. ولكنها، في المقابل، ليست أسئلة يجوز إهمالها، ولا سيما حين تتصل برجل عاش في قلب صراع سياسي محتدم، وتعرض لمحاولة اغتيال موثقة، ثم انتهت حياته بعد أشهر قليلة في ظروف غامضة. ومن حق التاريخ، بل من واجبه، أن يظل يسأل حيث لا تكفي الروايات، وأن يفتش حيث ينقطع الخبر، وأن يميز بين ما تثبته الوثيقة وما تتركه مفتوحًا للتأويل.

ولعل مأساة شمس الدين العجيمي لا تكمن في أنه تعرض للرصاص فحسب، ولا في أن حياته انتهت مبكرًا، وإنما في أن صوته النقدي لم يجد في ذلك الزمن مناخًا يسمح له بأن يؤدي دوره في هدوء وحرية. لقد عاش في مرحلة كانت فيها الزعامة تطلب الولاء، وكانت فيها بعض المنابر الصحفية تضيق بالرأي المخالف، حتى بدا أن الكلمة الحرة قد تصبح جريمة، وأن صاحبها قد يدفع ثمنها من أمنه واعتباره، وربما من حياته.

ثم إن ثمة مفارقة لا تخلو من مرارة: لقد نجا الرجل من الرصاصات الثلاث، ولكنه لم ينجُ من النهاية الغامضة التي أحاطت به بعد ذلك. وبقيت حركة «الاتحاد والترقي» واسم صاحبها جزءًا من صفحة من تاريخ تونس الحديث، صفحة لا تزال تحتاج إلى قراءة متأنية، وإلى بحث لا تحكمه عواطف الخصومة ولا أحكام الولاء.

وهكذا بقي شمس الدين العجيمي حاضرًا في الذاكرة، لا بصفته رجلًا اختلف مع زعماء عصره فحسب، بل بوصفه شاهدًا على زمن اختلطت فيه السياسة بالصحافة، والنقد بالتشهير، والاختلاف بالتخوين. كان قلمه يحاول أن يفتح نافذة للفكر في جدار من الشعارات، وكانت الرصاصات الثلاث محاولة لإغلاق تلك النافذة بالقوة. أما موته المفاجئ في صائفة 1949، فقد أضاف إلى الحكاية ظلًا آخر، ظلًا لم يبدده الزمن، ولم تحسمه الروايات.

ولعل أشد ما يبعث على الحزن أن التاريخ لم يمنح هذا الرجل الوقت الكافي ليرى مآلات الصراع الذي خاضه، ولا أن يشهد ما ستؤول إليه حركة «الاتحاد والترقي»، ولا أن يواصل مساءلة أولئك الذين واجههم بقلمه. لقد غاب العجيمي، وبقيت الأسئلة؛ وغاب صوته، وبقيت الحاجة إلى الإصغاء إليه. وبين رصاصات أفريل وظلال صائفة 1949، ظلت حكايته تذكيرًا بأن الكلمة قد تكون شجاعة، وأن الشجاعة قد تكون مكلفة، وأن بعض صفحات التاريخ لا تنتهي حين يموت أصحابها، بل تبدأ عندئذ مطالبتنا بأن نعيد قراءتها.


المصادر والمراجع

  • المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، أرشيف الإقامة العامة بنانت، الأرشيف عدد 1876، الملف 2، الوثيقتان رقم 510 ورقم 551.

  • جريدة L’action nationale، الصادرة يوم السبت 30 أفريل 1949، العدد 7، وتتضمن المقالات التالية: «المذنبون الحقيقيون»، و«الصمت ذو الدلالة»، ومقالات حول الاعتداء (sur un attentat).

  • النجار، حسن، حركة الاتحاد والترقي ورئيسها شمس الدين العجيمي، رسالة ماجستير، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، 2014.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر قراءة هذا الأسبوع