Uncategorized

قراءة في صورة: بورقيبة وبن يوسف.. حوار الصمت والسياسة (نوفمبر 1949)

تضيف الصور الفوتوغرافية إلى التاريخ بُعدًا جديدًا؛ فهي تزيح ظلال الغموض وتفتح آفاقًا للتأويل، رغم ما يغلب عليها من طابع ذاتي. وإذا كان المؤرخ يتسلح بالوثائق المكتوبة، فإن الصورة تأتي لتعيد خلط الأوراق، موجهة إليه رسالة مفادها: أعد القراءة وتثبت، فما قرأته لم يكن كافيًا.

سياق الصورة: ما بعد العودة

تأتي هذه الصورة في أعقاب عودة الحبيب بورقيبة من المشرق في 8 سبتمبر 1949. كان الحزب قد تغيرت موازين قيادته أثناء غيابه؛ إذ بسط صالح بن يوسف سيطرته على دواليبه عقب مؤتمر دار سليم (أكتوبر 1948). وفي الصورة التي يُرجح أنها التقطت في مقهى تقليدي بالمدينة العتيقة عقب صلاة الجمعة بجامع حمودة باشا، يتجلى التوتر في ملامح الزعيمين: بن يوسف واجم ومثقل بالهموم خلف نظاراته الشمسية، وبورقيبة أكثر انفتاحًا واندفاعًا، وكأنه يدرك أن معركته لاستعادة الزعامة قد بدأت.

توزيع الأدوار: جيلان وزعامة مهددة

تظهر الصورة تمايزاً جلياً بين جيلين من القيادات:

  • جيل الزعامة (1903-1907): بورقيبة، بلقاضي، وبن يوسف.
  • جيل الشباب (1913-1914): الباهي الأدغم وفرحات حشاد.

ويلفت الانتباه حضور فرحات حشاد بملابسه البسيطة المتواضعة، حيث بدا منتبهاً بعمق للصراع الخفي بين بورقيبة وبن يوسف، واعيًا بمآلات هذا الانقسام على مستقبل الحركة النقابية. أما الشيخ محمد الهادي بلقاضي، فقد كان يمثل “البعد الزيتوني” في اللقاء، حيث تعمد بورقيبة الحوار معه ببراغماتية سياسية، بينما اختار بن يوسف الصمت والابتعاد.

دلالات الصورة: أكثر من مجرد توثيق

يضيف الجمهور المتزاحم عند الباب والشباك حيوية خاصة للمشهد؛ فهم يراقبون من بعيد لحظة مفصلية تجمع “الزعماء النجوم”. إن قراءة هذه الصورة تقودنا إلى استنتاج أن بورقيبة، بذكائه السياسي، كان يسعى لسحب البساط من غريمه، محاولاً استمالة النخب التقليدية والرموز الزيتونية التي كان بن يوسف يراهن على دعمها.

خلاصة القول

إن هذه الصورة لا توثق لحظة عابرة، بل تختزل صراعًا خفيًا طبع مسار الحركة الوطنية التونسية لعقود. إن التاريخ ليس علمًا جامدًا، بل هو مجال حيّ يتقاطع فيه السياسي بالاجتماعي، وتتدخل فيه المشاعر الإنسانية بقدر ما تدخل الاستراتيجيات السياسية الكبرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *